حالة الانسداد الفلسطينية

المؤتمر الشعبي لفلسطيني الخارج
شارك عبر

| فلسطينيو الخارج |

ذكر "صن تزو" في كتابه "فن الحرب" قبل أكثر من 2300 سنة من أن الصراع جزء لا يتجزأ من الوجود الإنساني، ويحيط بنا من كل حدب وصوب، وبوسعنا في بعض الاحيان أن نتخطاه ونتملص منه بمهارة، ولكن علينا الانخراط فيه عندما يتحتم ذلك أو يكون الأمر لازماً، حيث كانت نصيحته الأولى أن يكون رد فعلنا تجاه الصراع منطلقاً من معرفتنا بأنفسنا وبعدونا.

 اعتقد أنني لا أبالغ إن ذكرت أن الإخفاق الوطني في مواجهة المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني العنصري ووقف تقدمه على امتداد أكثر من قرن - رغم جسامة التضحيات التي قدمها شعبنا في كافة أماكن تواجده، ناجم في الأساس عن قصور وعينا المعرفي بأهداف وطبيعة العدو الصهيوني والقوى الدولية المتنفذة التي نواجهها، وبالتالي جهلنا لمستلزمات مواجهتها والانتصار عليها قد مكنها من إيصالنا إلى ما نحن عليه من توالي النكسات التي يعيشها شعبنا في ظروف محلية وعربية وإقليمية ودولية تتضافر قواها على قضيتنا الوطنية بهدف تصفيتها.

فمن معالم فشل المرحلة السابقة في إدارة الصراع، على الرغم من نجاح الحركة الوطنية الفلسطينية في مرحلة ما قبل اوسلو في تشكيل الهوية الوطنية وتحقيق الكيانية التي تمثلت في توحيد الشعب الفلسطيني تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، محطات مختلفة أسرد بعضها من باب التوضيح:

  1. لم تدرك القيادة المتنفذة بالمنظمة جوهر الحركة الصهيونية كحركة استعمارية إحلالية اعتمدت المرحلية في التنفيذ، فبقبولها تقسيم جغرافية الاراضي المحتلة إلى أ و ب و ج أعطت الفرصة لسلطة الاحتلال أن تخصص المنطقة ج (60% من مساحة الضفة الغربية) لخدمة الاحتياجات التوسعية الاسرائيلية وتضييق الخناق على الوجود الفلسطيني فيها.
  2. فشلت القيادة أيضا في فهم التحول الحادث في المجتمع الاسرائيلي وخاصة بعد اغتيال اسحاق رابين وتـآكل اليسار الاسرائيلي.
  3. فشلت، بل رفضت إيجاد استراتيجية بديلة لمواجهة المشروع التوسعي الاستيطاني، حيث كان تعداد سكان المستوطنات الإسرائيلية سنة 1990 حوالي 90,000 مستوطن ووصل عددهم إلى أكثر من 800,000 مستوطن سنة 2019 وبمعدل زيادة سنوية 4.4% سنوية في حين أن معدل الزيادة السنوية في إسرائيل لا يتعدى 1.9% (2018).
  4. فشلت في استغلال التضامن العربي والعالمي بعد أوسلو وأهملته، فانتقلت من التأييد العارم لصالح حركة التحرر الفلسطيني وخاصة خلال سبعينيات القرن الماضي إلى ما هو أبعد من فقد الحماس للقضية إلى مساندة الطرف الصهيوني المعتدي، وليس التغيير الحادث في مواقف بعض البلدان مثل الهند وبعض دول الكتلة الشرقية سابقا وكثير من الدول الافريقية وامريكا اللاتينية إلا أمثلة على هذا التحول.
  5. فشلت في المحافظة على التأييد الشعبي المحلي والمتمثل بالتفاف معظم قوى التحرر الفلسطيني حول وحدانية منظمة التحرير الفلسطينية في تمثيلها للشعب الفلسطيني، بل تمادت إلى ما هو أكبر عن طريق تجميد فعاليات المنظمة لصالح سلطة ليس لها سلطة على أرض الواقع وبالإهمال التام لقطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني وخاصة من هم خارج حدود فلسطين التاريخية (فلسطينيي الشتات) وفلسطينيي داخل الداخل (48) واهمالها للعمل النقابي في الداخل والخارج الفلسطيني.
  6. تاجرت السلطة بالشكليات على حساب المضمون وألصقت تسميات وهمية على غير الواقع، فمثلا تم استبدال اسم سلطة الحكم الذاتي باسم السلطة الوطنية الفلسطينية ثم بدولة فلسطين، ورئيس (Chairman)  سلطة الحكم الذاتي الى رئيس دولة، كما اهتمت برمزيات واستعارات مختلفة، مثل السجاد الاحمر وعزف النشيد الوطني في الاستقبالات الرسمية، ولم يقتصر هذا على السلطة وأجهزتها بل تعداها إلى فصائل العمل الوطني والإسلامي حيث ظهر الصراع على السلطة، وما التنافس بين فتح وحماس إلا مثال على ذلك، ونتيجة لهذا الواقع المزيف، أصبحت أيديولوجية الدولة في الخطاب السياسي الفلسطيني هي الأساس بدلا من فهم واقع المرحلة على أنها مرحلة نضال شعب نحو التحرر من الاستعمار وتأكيد حقه في تقرير المصير، ولكن بدلا من ذلك نجحت أوسلو في ولادة شبه دولة مشوهة فاقدة السيادة تحاول تقليد لغة المحتل لكي يقبلها الغرب.
  7. منذ اعلان مبادئ أوسلو وما تلاها، تدحرجت الخطط الفلسطينية في الاتجاه الذي رسمته وخططت له إسرائيل، فإعلان المبادئ استبدل فكرة الكيانية بمسألة التمثيل الفلسطيني، فالحركة الفلسطينية اعترفت بدولة إسرائيل، حتى قبل أن تحدد دولة إسرائيل حدودها، مقابل اعتراف إسرائيل بتمثيل منظمة التحرير الفلسطينية للشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية مخلفة وراءها فلسطينيي القدس دون أي تصنيف.
  8. تنازلت الحركة الوطنية الفلسطينية وقبل أن تحصل على أي مكاسب لتجسيد الكيانية الفلسطينية عن مصادر قوتها لصالح إدارة الشؤون الحياتية لسكان قطاع غزة والضفة الغربية، وهنا ظهر المطب الذي أوجدت الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها فيه والمتمثل في اعفاء سلطة الاحتلال من مسئوليتها تجاه الشعب المُحتل، بل أكثر من ذلك، مشاركتها قوة الاحتلال بضمان أمنه (التنسيق الامني) وتخليها عن حماية شعبها من بطش قطعان المستوطنين وجنود الاحتلال.
  9. نتيجة لذلك، فرضت إسرائيل تقسيم الشعب الفلسطيني الى جغرافيات مختلفة وأفقدت الحركة الوطنية الفلسطينية وحدانية الشعب الفلسطيني.

لقد مر الأول من تموز (يوليو) ولم ينفذ نتنياهو تهديده بضم أجزاء من الضفة الغربية، ومن غير الواضح ولا المحسوم متى وما الخطوة التي سيقدم عليها نتنياهو في ظل المعارضة الداخلية والخارجية للضم، إلا أن حقيقة الواقع تقول أن ليس هناك خلاف على مبدأ الضم ولكن على توقيته وحجمه، ومن يعايش سلوك قوات الاحتلال وقطعان المستوطنين في الضفة الغربية يعي جيدا أن ما يقوموا به من ممارسات هو بالفعل تطبيق عملي للسيادة الاسرائيلية على أرض الواقع، وبالتالي فإن الضم قائم بشكل غير رسمي إعدادا للضم الرسمي لاحقا، ووصولًا إلى إقامة إسرائيل كدولة “يهودية نقية” على أرض فلسطين التاريخية، وما يعنيه ذلك من حتمية تهجير معظم الفلسطينيين، وفي نفس الوقت يكتفي طرفا الانقسام الفلسطيني بالتهديدات اللفظية، أما بقية الأطراف الفلسطينية فتكتفي بتسجيل مواقف للتاريخ .

إن الاستعداد لمواجهة القادم من أحداث أصبحت ضرورة وليس مجرد خيار، وتحقيقه بحاجة إلى وعي وإرادة وأدوات وإجراءات ملموسة لبناء البدائل، ويتطلب ذلك أولا وحدة الشعب والفصائل والأرض والقضية على أساس رؤية وإستراتيجية ومشاركة حقيقية لكل تجمعات الشعب الفلسطيني مراعيا الظروف الخاصة بكل تجمع

لابد من مراجعة شاملة للمراحل النضالية السابقة وتقييمها بموضوعية نقدية بعيدا عن الشعارات ومن قبل النخب المختلفة بعيدا عن المنتفعين، يلي ذلك تحديد الأهداف الأساسية للنضال الفلسطيني والاتفاق عليها، واضعين في اعتبارنا خصوصية كل تجمع فلسطيني وطبيعة نضاله، ولا يمكن أن ينجح أي مشروع دون الاتفاق على هدف او أهداف لذلك المشروع، وبالتالي لابد من الاتفاق على مشروع وطني واحد لا يقبل التفريط فيه مهما قست الظروف.

لقد تحولت حركة التحرر الوطني الفلسطيني من مشروع عودة وتحرر إلى مشروع حكم وسلطة تحت الاحتلال، فكانت النتيجة خلق سلطة قائمة على أفراد منتفعين من بقائها بالإضافة إلى إنقسام في فصائل العمل الوطني والاسلامي، وفي هذا السياق وللمقارنة فقط نستذكر صلابة موقف نلسون منديلا في جنوب افريقيا على مبدأه حتى بعد سجنه لأكثر من ربع قرن.

وهنا يجب التأكيد على أننا في مرحلة تحرر وطني ولسنا في مرحلة بناء الدولة، ويرتكز هذا النضال على مقاومة نظام التفرقة العنصرية (الابارتايد) الذي تحاول إسرائيل فرضه على كل قطاعات الشعب الفلسطيني في كل فلسطين التاريخية، ولذلك تتمثل المقاومة الشعبية بالعمل الجماعي من منطلق الوعي المشترك تجاه أهداف متفق عليها، وفي هذا المضمار علينا :

  1. الخروج من مأزق الانقسام الفلسطيني، وتنظيم التوازنات الداخلية في المعادلات السياسية الفلسطينية بطريقة ديمقراطية في ضوء إخفاق جميع دعوات ومبادرات الحوار الوطني التي وقعت بين "فتح" و"حماس" في مكة وصنعاء والقاهرة وموسكو والدوحة إلى طريق مسدود، ويتم ذلك عبر إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية واستعادة دورها ككيان سياسي وقائدة لنضال الشعب الفلسطيني، لذلك لا بد من اجراء انتخاب مجلس وطني فلسطيني جديد يشكل السلطة العليا لمنظمة التحرير الفلسطينية.
  2. هناك ضرورة لاستعادة التفاعل المشترك بين أبناء الشعب الفلسطيني في كل من الضفة وغزة وداخل الداخل (48) وفلسطيني الشتات، بمعنى استعادة التطابق بين قضية فلسطين وأرض فلسطين وشعب فلسطين.
  3. بناء المشروع الوطني الفلسطيني، فلا نعيش في أوهام تحويلنا لانجازات صغيرة، على أهميتها، الى انتصارات على إسرائيل.
  4. علينا مواجهة الاستيطان بتعزيز اتساع قاعدة المقاومة الشعبية، فلا يجوز الانتظار حتى تخلق إسرائيل واقعا على الأرض لا يمكن تغييره.
  5. كما علينا أن نواجه تهويد القدس والاهتمام بقضايا التمييز العنصري ضد فلسطينيي الداخل (48)، والتمسك بحق العودة، والعمل على استعادة الحياة الإنسانية للاجئين الفلسطينيين في الدول العربية.
  6. علينا طرح افكار جديدة لمواجه ثقافة كاملة خلقتها العصبيات التنظيمية، وروتين الحياة اليومية في ظل السلطتين (في الضفة وغزة).
  7. علينا بذل الجهد في التعريف بالقضية الفلسطينية وعدالتها، وتثقيف الشباب الفلسطيني و العربي في كل مكان على عدالة القضية.
  8. مقاطعة البضائع الاسرائيلية محليا مع زيادة الوعي لأهمية هذه المقاطعة، والتوعية للحد من العمل في مشاريع البناء الاسرائيلي وخاصة داخل المستعمرات.
  9. تطوير التنسيق بين المؤسسات الشعبية الفلسطينية بما في ذلك اشراك فلسطيني الشتات، والاستفادة من امكانياتهم وقدراتهم .
  10. إعادة الحياة النقابية (اتحادات العمال والطلاب وما شابه).
  11. في ظل الاحتلال، التخلي عن هرمية القيادة مقابل الاتفاق على هدف او أهداف.
  12. ونظرا لطول فترة النضال المطلوبة فلابد كذلك من الأخذ في الاعتبار كيفية بناء مؤسسات اقتصادية وسياسية واجتماعية وتعليمية وصحية تضمن استمرار صمود الشعب وما يتطلبه من تكاتف الجهود بين قطاعات الشعب في مواقعه المختلفة.

كذلك لابد من مراجعة الغياب التام لاستراتيجيات فلسطينية واضحة من أجل تطوير التضامن الدولي والذي هو على أشده بين شعوب العالم وخاصة في القطاع الأكاديمي والطلابي حول العالم وخاصة العالم الغربي مع قضية تحرر الشعب الفلسطيني، ولتكن تجربة حركة مقاطعة البضائع الاسرائيلية BDS قدوة في ذلك.

يرتبط تفعيل القدرة الفلسطينية بامتلاك الرؤية السديدة التي تستعيد وحدة الوطن والشعب والقضية، وتوفر الإرادة السياسية والقيادة المؤهلة لقيادة المشروع التحرري - الواضح الأهداف، ولمستلزمات تحقيقها (سياسات واستراتيجيات ومناهج وجداول زمنية مدركة لطول أمد الصراع) مع مراعاة المساواة بين حقوق كافة أبناء الشعب الفلسطيني داخل الوطن وفي الشتات، ودون الإخلال بأولويات أي من مكوناته أو القفز عن خصوصياتها.

لابد من رفع كلفة استمرار النظام الاستعماري الاستيطاني الصهيوني العنصري الأمنية والاقتصادية والسياسية والديبلوماسية والقانونية والأخلاقية الى مستوى تفوق قدرة مواطنيه على استمرار دعمه وتدفع يهود العالم للتخلي عنه، وتحفز القوى المتحالفة معه/ المحلية والعربية والاقليمية والدولية على مراجعة سياساتها وحساباتها تجاهه.

تابعنا عبر



تعليق عبر الموقع