نخب في واد ومقاومة في واد

نخب في واد ومقاومة في واد

منذ أن ذهبت منظمة التحرير الفلسطينية بمجلسها الوطني ولجنتها التنفيذية إلى اتفاق أوسلو، وإلى قرارات المجلس الوطني لعام 1998، وما مثّل ذلك من كارثة على القضية الفلسطينية، وما نجم بعد أوسلو من فشل لسياسات التسوية من جهة، وبروز مقاومة شعبية انتفاضية ومسلحة من جهة أخرى، تولّدت اتجاهات لدى مجموعات من النخب للبحث عن طريق ثالث، فوجدت ضالتها بشعار إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، من خلال انتخابات لمجلس وطني تنبثق عنه قيادة جديدة، تنقذ الوضع من المأزق وما يواجهه من مخاطر.

وأصدرت هذه الاتجاهات عدة بيانات تدعو لإعادة بناء منظمة التحرير، واستعادة دورها. وقد توّجها مؤتمر، عُقِدَ في آن واحد في عدّة مدن داخل فلسطين وخارجها، وأسمى نفسه المؤتمر الشعبي الفلسطيني- مؤتمر الـ14 مليون.

وانتهى هذا المؤتمر بالمطالبة بإجراء انتخابات عامة للمجلس الوطني، ولم يجد ضرورة أن يحدّد المشروع الوطني الذي يريد عقد المجلس الوطني من أجل تحقيقه، ولم يجد حاجة إلى تحديد الاستراتيجية النضالية لتحقيق الأهداف. أما السبب فيرجع إلى تكوّنه من أطياف خاضت في اتفاق أوسلو حتى آذانها، وثمة أطراف لها تاريخ بمناهضة المقاومة المسلحة، وأطراف مع تحرير فلسطين من النهر إلى البحر.

حقاً ليس مفهوماً أن تنبري اتجاهات تدعو لإجراء انتخابات لمجلس وطني جديد تنبثق عنه قيادة فلسطينية جديدة، وليس لها علاقة بدعم المقاومة المسلحة في قطاع غزة، وما يندلع من مقاومة مسلحة في القدس والضفة الغربية، وما تتهيّأ له جماهير الشعب الفلسطيني للانتفاض في كل الداخل الفلسطيني، مكرراً على مستوى أوسع، وما مثلته انتفاضات وحرب سيف القدس عام 2021.

كيف يمكن الإثبات أن الرهان على إجراء انتخابات للمجلس الوطني، سيكون طريق الإنقاذ أو الخلاص أو إخراج "الزير من البير"، وقد نسي أصحاب هذا الرهان أن الوصول إلى اتفاق أوسلو، وما وقع بعده من كوارث، كان دائماً بمباركة المجالس الوطنية ومنظمة التحرير؟

هذا التباعد يمثل، في أحسن الأحوال، موقفاً سلبياً من الواقع الشعبي المتفجّر بألوان من المقاومة. أما موضوعياً، حين يدعو إلى إجراء انتخابات، فيما البلاد تغلي بالمقاومة المسلحة والثورة والانتفاضة، فيكون كمن يصبّ الماء البارد على الجمر. ولا حاجة إلى قول المزيد من حيث التوجّه والتوقيت.

كيف يمكن الإثبات أن الرهان على إجراء انتخابات للمجلس الوطني، سيكون طريق الإنقاذ أو الخلاص أو إخراج "الزير من البير"، وقد نسي أصحاب هذا الرهان أن الوصول إلى اتفاق أوسلو، وما وقع بعده من كوارث، كان دائماً بمباركة المجالس الوطنية ومنظمة التحرير؟

ومن يشك في ذلك عليه أن يراجع كل قرارات المجالس الوطنية منذ 1974 إلى 1998 ليجدها سلسلة متواصلة من التنازلات. فتاريخ منظمة التحرير الفلسطينية، المشرف، تجسّد في المرحلة الممتدة من 1964 إلى 1974، وهي مرحلة ميثاقي 1964 و1968، ومرحلة إطلاق الثورة الفلسطينية والمقاومة، أما عدا ذلك فلا يمكن تسميته بالمشرّف من 1974 حتى اليوم. أي السنوات العشر تعتبر مجيدة، أما بعد ذلك فمصيبة، إن لم نقل مخزية، ولا سيما ابتداءً من القرار الوطني 1988 الذي اعترف بالقرار 242، وصولاً إلى اتفاق أوسلو الكارثي، وتداعياته إلى اليوم.

أما الذي أنقذ الموقف عملياً فكان العمل المضاد خارج إطار منظمة التحرير، أي ما اندلع من مقاومة طوال التسعينيات حتى اليوم، ولا سيما اليوم إذ نرى تكاملاً للمقاومة على امتداد القدس والضفة الغربية وقطاع غزة

الذي أنقذ الموقف عملياً فكان العمل المضاد خارج إطار منظمة التحرير، أي ما اندلع من مقاومة طوال التسعينيات حتى اليوم، ولا سيما اليوم إذ نرى تكاملاً للمقاومة على امتداد القدس والضفة الغربية وقطاع غزة

ثم هنالك التجربة الواقعية طوال خمسة عشر عاماً من محاولات إجراء انتخابات، أو تشكيل لمجلس وطني جديد، من أجل إعادة بناء منظمة التحرير، واستعادة دورها. وكانت كل تلك المحاولات بما يشبه النفخ في قربة مثقوبة، فالفشل المتكرّر كان المصير لكل محاولة لإعادة بناء منظمة التحرير واستعادة دورها.

والسؤال: على ماذا يراهن مؤتمر الـ14 مليون، ليأخذ الحراك الفلسطيني كله إلى وهْم إجراء انتخابات عامة لمجلس وطني لن يكون ولن يتحقق؟ أما إذا افترضنا بأنه سيكون، فسيكون مصير المجلس الوطني كمصير الظواهر التي تنتهي بالمأساة (تراجيديا)، وحين يُراد تكرارها تخرج ملهاة (كوميديا)، كما لاحظ كارل ماركس حول التجارب التاريخية التي تُكرر بعد موات أو فوات.

وسؤال سريع للداعين إلى انتخابات مجلس وطني: هل سألتم كتائب جنين، أو عرين الأسود، أو الجماهير التي عبّرت عن إرادتها، وعما تريده من خلال الجنائز التي حملت أجداث المقاومين الشهداء، ما رأيهم بمؤتمركم وبياناتكم، وما تطلبونه منهم بوصفهم جزءاً من الشعب الفلسطيني لينضموا إليكم، وكذلك بالنسبة إلى قادة وكوادر المقاومة في قطاع غزة؟ لأن ثمة تناقضاً حاداً بين خوض المعارك الانتخابية، وخوض غمار مقاومة وانتفاضة وثورة، وحذار من القول أن ثمة تكاملاً بين الأمرين.

طبعاً هنالك سبب واحد يسيل عنده لعاب الكثيرين بالنسبة إلى المنظمة، وهو تمتعها بدور "الممثل الشرعي والوحيد" للشعب الفلسطيني، بناء على قرارات قمم عربية، واعتراف الكثير من الدول.

هذا السبب مهم جداً، لمن يريد إحياء منظمة التحرير وركوب صهوتها، ممن يحافظون على سياسات السير على طريق المفاوضات مع العدو، والتسوية عموماً. فهؤلاء يريدون التمثيل، ما داموا سيواصلون السياسات التي تطابقت مع ما تريده الدول العربية والدول الكبرى، والدول بعامة.

هنالك سبب واحد يسيل عنده لعاب الكثيرين بالنسبة إلى المنظمة، وهو تمتعها بدور "الممثل الشرعي والوحيد" للشعب الفلسطيني، بناء على قرارات قمم عربية، واعتراف الكثير من الدول

ولكن هذا السبب لا قيمة له لمن سيتبنى ميثاقيّ 1964 و1968، وينهج سياسات مقاومة وتحرير لفلسطين كل فلسطين؛ لأنه والحالة هذه سيجد التمثيل مسحوباً منه ومن م.ت.ف، فأنت هنا تتعامل مع منظمة، وليس مع دولة ذات سيادة معترف بها دولياً. فكل من يعترف أو سيعترف بها له شروطه عليها، وإلاّ سحب اعترافه بها.

إن كل ما حصدته م.ت.ف من اعتراف بها، كان مقابل ثمن دفعته مقدّماً، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه مع الرباعية.

والسؤال الأخير، مؤقتاً، أيها المطالبون بإجراء انتخابات عامة لمجلس وطني يشمل الداخل والخارج، على أي أرض تقفون، فأمامكم مقاومة في قطاع غزة، وأخرى في القدس والضفة الغربية؟ فماذا تريدون من المجلس الوطني العتيد أن يفعل بها؟ هل سيكون وتكونون جزءاً منها، أم سيكون ثمة خط سياسي آخر؟

فالوضع الفلسطيني أمام واقع ملموس، ويقدم الشهداء كل يوم، وقلوب الشعب الفلسطيني معه بالكامل، وقلوب الملايين من العرب والمسلمين وأحرار العالم، معه كذلك.