عبدالستار قاسم .. رجل نجا من الاغتيال بسيرةٍ لاتموت

المؤتمر الشعبي لفلسطيني الخارج
شارك عبر

| فلسطينيو الخارج |

رفقة شقور - باحثة في العلوم السياسية

لماذا أحببنا عبد الستار قاسم إنساناً ومفكراً؟

عبد الستار قاسم لم يميز يوماً أحداً عن أحد بسبب جنسه أو ماله أو نفوذه أو منشأه أو حتى جذوره، ذلك المفكر الذي كتب عن المرأة في الإسلام ودرس الفكر الإسلامي، سلوكه اليومي طابق فكره، فحرية وتمكين المرأة عنده لم تكن دعاية فكرية يرفع فيها تقدير الجامعات الغربية لمحتواه الفكري كي يحظى بفرصة تقديم محاضرة بهذه الجامعة او تلك، وإنما كان مفكراً يتمثل ما يكتبه في حياته الخاصة والعامة، لم يشعرنا يوماً بالتمييز الجنسي ضدنا بأي شكل من الأشكال، ولم يقصنا ولم يميز يوماً بين طالبة ترتدي حجاباً في صفه أو طالبة ترتدي الميني جيب، على عكس كثيرين من المفكرين الإسلاميين الذين جعلوا المرأة عقدة تسلطهم الفكري أو السلوكي، لم يعامل امرأة يوماً على أنها قد يعيقها جنسها عن فعل ما تريد أو أن تتصدر أهم المناصب والمراتب، لم يكن من نوع البروفيسورات والمفكرين الذين درسوا في أمريكا وأشبعوا الناس كلاماً عن حقوق المرأة ثم عادوا للبلاد ليتزوجوا نساء قاصرات كي يحبسونهن في البيوت ويربوهن على إيديهم كما يفعل كثيرون منهم، فزوجته السيدة أمل الأحمد امرأة مثقفة وصاحبة رأي وحضور فكري واجتماعي لافت، كذلك ابنتيه سماح وميس، ليس من نوع المفكرين الذين يفرض رأيه على أحد في مجاله الخاص أو العام، لا تجد عنده تكبر وغرور الأدعياء من أشباه المفكرين الذين يخاطبون الناس من مكانٍ عال كما لو أنهم إله.

 

 عبد الستار قاسم كان قريباً لهموم طلابه من كل الشرائح والمستويات في بيئة أكاديمية كان يميز فيها الأساتذة بين الطالب من المخيم أو القرية أو المدينة، ذلك التمييز والعنصرية المناطقية كان كارهاً لها، كذلك التمييز الطبقي والمادي والذي مارسه عدد لا يحصى ممن قابلت من أساتذة تلك البلاد أو هذه أيضاً، لم يستغل حاجات الناس لأغراض انتخابية رغم محبة الناس الواسعة له، فحين تقدم للانتخابات في أول مرة كان يقول لي أريد أن أغير من الداخل أريد أن أجعل مكتب الرئاسة في حي ضمن مخيم بلاطة حتى إذا زارني مبعوث أممي او دولي اضطر للخوض في وحل المخيم قبل أن يصل للحديث معي هذا سيكون أكثر واقعية، لم يصرف على تلك الانتخابات من تمويل أحد وإنما من ماله الخاص. وبطبيعة الاتساق بين الفكر والسلوك لم يلجأ إلى رشوة الناخبين بمبالغ مالية كي يصوتوا له.

 

لقد دعم عبد الستار قاسم الشباب وكانت رؤيته واضحة وطاقة دفع لحظية له، لم يتعال يوماً على طالب أو طالبة أو يكسر خاطر أحد أو يهاجم منهم أحد فقد كان يتعامل بأبوية ولباقة وفروسية معهم ويحتويهم بغض النظر عما يؤرقهم أو يدفعهم للتصرف على نحو خاطيء في موقف ما، كان ينظر للشباب الذين يتبعون مواقف فصائلية متحجرة على أنهم ضحايا لأولئك الفاسدين الذين استغلوا حاجاتهم وجعلوهم نسخ استغلالية مثلهم.

 

لقد كان عبد الستار قاسم كلمة السر التي تغير ملامح رجال الإدارات الفاسدة في المؤسسات الأكاديمية لأنه كان استثناءاً بينهم يدين فسادهم ولا يهادنهم ليس من الأساتذة الذين يتخرج عندهم أحد بالواسطة أو المحسوبية لذلك كان يهاجمه المسؤولون لأنه لم يكن طوع فسادهم ولم يكن لهم ذراعاً في تلك البيئة التي يغلب عليها الفساد، لم يكن يتردد لأن يقول لاحد أنه كاذب في وجهه مهما علت مكانته أو منصبه ولم يتردد أن يصف الفاسد بأنه كذلك أيضاً في وجهه.

 

لم يكن من نوع الرجال الذي يطعن أحداً في الظهر وما حاجته لذلك وهو الشجاع الذي يواجه بقوة مهما كلفته تلك المواجهة.

 

اليوم اتذكر مجموعة من الاساتذة الذين كانوا يصفون أنفسهم بالليبراليين وآخرين ممن كانوا يدعون التدين المفرط كيف كانوا يتصرفون مع إحدى طالبات الكلية التي كانت لها طابع خاص في ازيائها طالبة ذكية حرة في خياراتها لقد تعاطى معها الطرفين إما بالنبذ وإما بالطعن وإما بالإستغلال، لكنه وحده كان مثالاً لتقبلها كما هي دون إبداء أي تمييز ضدها بسبب مظهرها أو وشومها او إفراطها في زينتها، لم يناقض نفسه وهجر منذ سنواته الأولى ثقافة السوق والدارج، ليس من نوع الرجال الذين يعلون على النساء وآمالهن وحضورهن وإنما كان داعماً نبيلاً واثقاً شجاعاً للمرأة في بيئة تعج بالتمييز الجنسي ضد النساء والمؤامرات والتأويلات اتجاه كل من يساند النساء.

سألني مرة حين سجلت 18 ساعة جامعية خلال فصل واحد ضمن صفوفه، رفقة هل تحفظين ملامح والدك كما حفظتِ ملامحي؟ لا أذكر أن طالباً حضر ساعات جامعية عندي مثلك، قلت له حينها فعلاً أنا لا أستطيع التفريط بأيِ من صفوفك، ولم يسمعني والدي بقدر ما استمعت إلي ولم يعرفني بقدر ما عرفتني أنت، كنت أقضي سنة قبل التخصص أنهي محاضراتي وأذهب لأبحث عن صفوفه لأحضر، حين دخلت مرة إحدى صفوفه وأنا في سنتي الجامعية الأولى وتصرفت كما لو أني مسجلة فيها، قال لي هذه جامعة خاصة يبيعون فيها العلم لكن لكِ أن تحضري ما شئتِ من محاضراتي دون أن تدفعي عشرة شيقل عالباب وضحك، في سنواتي الجامعية الست لم أذكر يوماً خلا من توجيهاته ومن تنويره لي في كل وجهة أريدها، حين ذهبت لمكتبه أعلمه برغبتي بالتخصص في قسم العلوم السياسية قال لي كما أرى أنك حصلتِ على أعلى مجموع بالكلية ويؤهلك للمنافسة للدخول في قسم المحاسبة، كان يختبر إصراري على خياري، حينها قلتُ له أريد أن أساعد بلدي والناس بصفة أوسع كما تفعل أنت، ومن حينها كان الداعم الأول لي في بيئة مسمومة مليئة بالمؤامرات عليه وعلى من يسير على خطاه من طلابه، أذكر استياء بعض الأساتذة حين كانوا يرون في عيوننا مقدار الإعجاب والفخر والاعتزاز فيه، ولا أذكر يوماً لم يكن فيه هدفاً لمؤامرة داخلية في محيطه الأكاديمي، لقد كان محاطاً بالذئاب مسوراً بمحبته للناس ومحبة الناس له، أكثر من مرة آثر أن يدفع الاقساط الجامعية لطلاب فقراء على أن يمضي في بناء بيته الذي استهلك بناءه من رجل نزيه مثله ما يقارب ثلثي عمره، آمن بالشباب واحتضن الجميع من طلابه بغض النظر عن فصيلهم او انتمائهم، لكنه كان يحتقر العسس منهم ويعرفهم ويمضي ساعات طويلة في محاضراته يحاول ثنيهم عن الإضرار بكراماتهم وكرامة الوطن هو الذي كان يعرف أن صفوفه أحياناً عجت بامثالهم وبأن أكثر المرات التي تعرض فيها للاستهداف كانت من طلاب جلسوا في قاعات درسه وقدموا التقارير ضده لجهاتٍ أمنيه.

 

 عبد الستار قاسم كان صخرة عاتية تتكسر عليها صغار الموجات ممن تبعوا صيحات المفاوضات والاستسلام، النزاهة والصدق مع الذات والآخر والمباشرة التي تمتع بها لا أظن أن أحداً يعمل في هذه البيئات يستطيع إدراكها أو حتى إدراك جزء منها، التوازن والانتماء للأرض والإنسان حيث سار يجسد هذا الإنتماء بقوله وفعله محرضاً الشباب على حب الارض والزراعة كمدخل للتحرر من سطوة الاحتلال على الأرض والمصادرات المتكررة لها، لم أذكر يوماً ان طالباً لجأ إليه إلا وتعامل معه بمنتهى الأبوية والمسؤولية الإنسانية لقد كان قلبه يتسع لكل أبناء الوطن، تلك الفرادة بالتعامل مع القضايا العامة والشخصية كانت تحيله ليصبح أباً روحياً حانياً على كل ضحية من ضحايا الاحتلال، كان رجلاً عصامياً بنى نفسه بنفسه خلال دراساته العليا عمل بأعمال الخدمات ولم يوقفه شيء عن الحصول على مكان ينطلق منه لمساعدة الناس، شعر دوماً بانتماء للطلاب المعوزين والفقراء، كان محباً للغة العربية أذكر حين كنت أنجز رسالتي الماجستير تحت إشرافه أنه من أكفأ من رأيت في اللغة العربية ولا يتوقف عن تدارك الاخطاء النحوية ويفرد لها جزءاً كبيراً من ملاحظاته وظل ينبه علينا على أهمية اللغة العربية في تشكيل مناعتنا وحفظ هويتنا، قبل مناقشة رسالتي الماجستير وضمن لقائنا الأخير قال لي رفقة أرجو أن لا يكون على طاولات القاعة أي من المنتجات الإسرائيلية حيث كان يخطيء بعض الطلاب ويحضرون منتجات إسرائيلية كضيافة! فيصيبه الغضب من أجل ذلك، درسني الحرية في الفكر الديني ودرست عنده مساقات الفكر جميعها، حرضنا على التفكير والتفاكر، كان يريد منا أن نكون جيلاً يحقق للبلاد ما لم يسعفه التضييق عليه في تحقيقه، واليوم يرحل وترحل معه كل ذاكرتي في مدينة نابلس في أعصب فترة مرت على تلك المدينة من 2003 الى 2010، لا يمكن حصر المواقف التي ناصرني فيها ووقف في وجه فساد بعض القرارات الإدارية كي يضمن استمراري كمساعدة بحث في الجامعة حينها حين ذهب بنفسه لإحضار قانون الجامعة وأصر على تعييني ووجهني لأخاطب إدارة الجامعة بالقوانين وقال لي الآن عليكِ أن لا تسمحي بأن يأتوا لنا بمساعد بحث مدعوم بالواسطة نريد مساعد بحث يستحق ذلك بجهده كي نعطي باقي الطلاب نموذج على نزاهة قرار إداري ما ، لا أذكر أن أحداً حارب من أجلي ومن أجل استمراري بتلك الساحة الأكاديمية مثله ولم يتوقف عن إخباري أني أستحق ذلك لأنه رأى مني اجتهاد ومثابرة ربما لم أكن أدرك مصدر الإلهام المستمر لهما لكني الآن أدرك أنه كان مصدر ذلك النهر الذي يعرف مجراه ولا يخطئه، الالتزام الذي تحلى به وحضوره قاعات الدرس قبل الطلاب في أحلك الظروف التشبث بالحق والأمل والخير والتصدي لمحاولات الاقتلاع كلها، المرات الخمس التي حاولوا اغتياله فيها عدا عن المحاولات اللانهائية لاغتياله معنوياً، عدد المرات التي تأخر فيها في الحصول على ترقية أكاديمية بسبب حرب الإدارة الفاسدة عليه وصبره على الأذى والمضي الدائم للأمام كل تلك القيم والمباديء والإصرار والعزائم جسدها ذلك المفكر النبيل الشامخ

 

تابعنا عبر



تعليق عبر الموقع