الحوار الفلسطيني .. النوايا الطيبة لا تُخرِجُ الدخان الأبيض

المؤتمر الشعبي لفلسطيني الخارج
شارك عبر

| فلسطينيو الخارج |

بعد الإعلان عن نية السلطة الوطنية الفلسطينية بإجراء انتخابات تشريعية وتنفيذية، وانطلاق الحوار بين الفصائل الفلسطينية في القاهرة أمس الثامن من شباط، يتبادر إلى ذهن المراقب الفلسطيني العديد من الأسئلة في أجواء من عدم الحماس لما ستؤول إليه الإنتخابات المعلن عنها بين الكثير من الأوساط والفئات التي تشكل القاعدة الإنتخابية الشعبية الفلسطينية.

من أجل فهم تلك الحالة لا بد من أن نطرح الأسئلة المتعلقة بتوقيت الإعلان عن هذه الانتخابات، وما تعكسه تلك الخطوة من حالة الضغوطات الدولية والإقليمية والعربية التي تُمارس على الأطراف التي تمثل الشعب الفلسطيني أمامها وإن لم تكن تشمل شرائح واسعة من الشعب الفلسطيني في مخيمات اللجوء والشتات.

ماذا لو أجبنا قبل كل هذا على السؤال الكلاسيكي حول ماذا يريد الشعب الفلسطيني في جميع أماكن تواجده في الوطن والشتات لأن هنالك الكثير من الاحتياجات التي تغفل عنها السلطتين في رام الله وغزة.

إن ما يحتاجه الشعب الفلسطيني استباقاً وقبل أي إبر تخدير ديمقراطية أن يتم تحسين الحاضنة والبيئة الديمقراطية قبل البدء والمباشرة بإجراء تلك العملية التي ستكون مكلفة معنوياً وسياسياً ومرهقة للشعب الفلسطيني إن أتت إليه بنفس الوجوه القديمة دون ضمان تغييرات ترتقي لمستوى المطلوب في ظل التحديات التي تشهدها القضية الفلسطينية من توسع استيطاني وارتفاع نسبة مصادرة الأراضي والانتهاكات الإسرائيلية التي لا تتوقف، بالإضافة لحالة التهميش العربي الرسمي لقضية فلسطين والاتجاه للتطبيع والتحالف مع دولة الاحتلال.

اجتمعت النوايا الطيبة لدى الفصائل التي عقدت حوارها في القاهرة والتي تحاول الدفع نحو عملية المصالحة من أجل ضمان مخرج محلي وإقليمي ودولي لشرعنة تعاون المؤسسات المانحة مع الجسم الفلسطيني المنتخب، هنا يعود السؤال للواجهة هل عبر عملية التحالف الداخلي بين الفصائل واسترداد السلطة لمصادر تمويلها يمكنها أن تتخطى التحديات جلها التي تعترضها؟ وكيف يمكن أن تصير الماكينة السياسية الفلسطينية أقصى طموحها منح شرعية لها لاستمرار الوضع القائم؟

هل الخلل بانقطاع الدعم الإقليمي والدولي سببه واقع الشرعية الفلسطينية أم سببه الأدوات التي تنتهجها السلطتين في التعاطي مع التحديات المفصلية؟

ليس بالإمكان التغاضي عن الكثير من التعقيدات الداخلية وموجبات المسائلة الملحة لسلطتي رام الله وغزة عن سوء الأداء في السابق عن طريق الإعلان عن عقد إنتخابات ومكافأة الأطراف التي أوصلت الحال الفلسطيني على ما هو عليه من تهميش إقليمي ودولي لقضية فلسطين العادلة بإعادة إفراز نفس الوجوه السياسية.

القليل من الإصلاح السياسي في بعض الأجهزة الفلسطينية استباقاً كان بمثابة إبرة التخدير الاولى التي وجهتها الأطراف الفلسطينية لتتلقى القاعدة الشعبية الانتخابية خبر الإعلان عن الانتخابات بترحيب وتفاؤل حذرين، لكن الخبرة الفلسطينية الشعبية مع حوارات الفصائل علمت الشعب الفلسطيني أن تلك العمليات لا تعدو كونها زوبعة لا تصل لحافة الفنجان فيما يتعلق بتغيير الوقائع على الأرض.

لا يمكن التغاضي عن حالة الفوضى في البيئة الفلسطينية التي لا تعد بيئة ديمقراطية يمكن أن تُنجح مثل هذه العملية الإنتخابية المكلفة بكل المعايير، لعدة أسباب أهمها، أولاً الانتهاكات الممنهجة التي تمارسها أجهزة السلطة الوطنية الفلسطينية في رام الله اتجاه قطاع واسع من الشعب الفلسطيني وأجواء القمع الصحافي والسياسي التي سبقت الإعلان عن الانتخابات، لا يمكن أن تفضي حالة القمع والعنف اتجاه أصحاب الرأي والفكر وأهل الصحافة إلى ضمان شفافية ونزاهة للعمل السياسي.

ثانياً حالة القمع والعنف التي تمارسها الأجهزة الامنية الحمساوية في غزة اتجاه من يخالف تعاليمها من كل الأوساط الثقافية والسياسية والدينية والإجتماعية.

ثالثاً حالة غياب الدولة والسيادة، في تلك الحالة وضمن إطارها لا يمكن لأي عملية ديمقراطية سوى أن تكون تكرار لحقبة سبقتها وتعيد فرض نفس الظروف والأجواء المحلية والإقليمية وبالمحصلة الظروف الدولية بالتعاطي مع الفلسطينيين.

رابعاً الأضرار البالغة والجسيمة التي أصابت الذاكرة الجمعية الوطنية التي لا تنسى غطرسة الفصائل الفلسطينية بمضيها بتعكير البيئات الديمقراطية وتعميق حالة الانقسام حين كان الشعب الفلسطيني بأمس حاجة لأن تسند تلك الفصائل صمود الفلسطينيين بالخارج والداخل بخاصة في غزة المحاصرة منذ أكثر من عقد من الزمان، إن حالة التلاعب بأرزاق الناس والضغوطات التي فرضتها السلطة في رام الله و غزة أفقدت الناس شعورهم بحسن نوايا الأطراف اتجاه الفئات الأكثر تضرراً من المبارزة السياسية بين فتح وحماس.

خامساً اقتصار تلك العملية الديمقراطية على جزء بسيط من الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة والقدس الشرقية التي سيلزم أن يتم الحصول على ترخيص إسرائيلي من أجل مشاركتها بالعملية الإنتخابية، بذلك تكون العملية الديمقراطية تستثني فلسطيني الخارج والمتواجدين على الأراضي المحتلة لعام 48، بالتالي ستكون العملية الانتخابية حالة ترسيخ للإنقسام المناطقي الذي عانى وما زال يعاني منه الشعب الفلسطيني.

سادساً هنالك حالة واسعة من تهميش فئات فلسطينية بعينها في العملية السياسية والحوار الوطني ومنهم النساء والشباب، وبذلك أي نجاح لأي من الفصيلين الكبيرين على الساحة سيعيد طرح نفس الوجوه القديمة بنفس الخطط والاسترتيجيات (إن وجدت أصلاً).

سابعاً حالة غض الطرف المؤقت بين الفصائل بأكثر المسائل التي شوشت على عملية الصلح الداخلي والنوايا الطيبة لديهم في حل الخلافات بين الضفة وغزة ليس من الممكن أن تصمد أمام نتائج انتخابات مماثلة لما أفرزه العام ٢٠٠٦، وهذا من شأنه أن يعيد للواجهة حالة الفوضى التي تلت تلك الإنتخابات، إن لم تجتهد الفصائل بمحاسبة ومسائلة الفاسدين فيها والذين كانوا وقوداً لتلك الخلافات المدعومة من أطراف كثيرة أهمها الإسرائيلي واستبدال المتنفذين عبر الفساد بوجوه أكثر تمثيلاً لطموحات الفلسطيني.

ثامناً هنالك حالة من الخيبة بين أوساط الفلسطينيين في الداخل والخارج من حالة سوء الأداء السياسي الذي كان قوامه ما ذكرت سابقاً، والجو الفلسطيني العام الذي يرمي بشبكة أسئلته ليصطاد الواقع عن مدى مسؤولية الأطراف الذاهبة نحو الانتخابات عن تردي الواقع الفلسطيني وهل تستحق تلك الاطراف تكريماً بعقد الانتخابات وإعادة فرزها وشرعنتها أم أن ما تستحقه مساءلة واسعة عما آلت إليه الحالة الفلسطينية.

إن القاعدة الشعبية الفلسطينية قاعدة ذكية ولا يمكن أن تنطوي عليها الحيل الديمقراطية وغير الديمقراطية، وإن ساهمت العملية الإنتخابية بتكريس الوقائع على الأرض ستكون ردات الفعل الشعبية على انتهاكات الأطراف المستفيدة من بقاء الوضع على ما هو عليه وربما تحويله للأسوأ على مستوى التحدي والمسؤولية فالشعب الفلسطيني ديناميكي ومتقد ويستجيب للتحديات بشكل مسؤول وفيه الكثير من التضحيات التي لم تحسن الجهات التي تختطف تمثيلها له توظيفها سياسياً، ولا يمكن أن يحتضن تلك التجاوزات ويتلقى حقن التخدير تلك بلا ردات فعل تغير المشهد.

تابعنا عبر



تعليق عبر الموقع