الأخوة الأعداء وصراع كسر الإرادة

المؤتمر الشعبي لفلسطيني الخارج
شارك عبر

| فلسطينيو الخارج |

انتهى حوار القاهرة بين الفصائل الفلسطينية في التاسع من شباط للعام الجاري، وُصف الحوار من قبل المشاركين فيه بأنه ناجح، حيث تم تأجيل البت في القضايا الخلافية الكبيرة بين الفصائل الفلسطينية لشهر آذار، وتم الاتفاق على إنهاء حملة المضايقات والاعتقالات في صفوف حركة حماس في الضفة وصفوف كوادر حركة فتح في غزة.

بعد ذلك بعدة أيام صدر عن الرئيس الفلسطيني محمود عباس مرسوم الحريات الذي تم استخدام كلمتي التأكيد والتعزيز للحريات فيه، وذلك كنوع من الالتفاف على الواقع كما لو أن الواقع الفلسطيني لا يشهد اختراقات وانتهاكات للحريات وأن المرسوم جاء لتعزيز واقع الحريات المطلقة والتأكيد عليه.

إن المراقب لهذه القرارات والتحركات يلاحظ الآتي:

أولاً: على الرغم من مخرجات الحوار الوطني الفلسطيني إلا أنه تم تسجيل إصدار أحكام جديدة ضد كوادر من فتح في قطاع غزة هذا الأمر شكل تحدياً سافراً لمرسوم الحريات الذي صدر عن اجتماع الفصائل.

ثانياً: لم يشهد الشارع الفلسطيني إطلاق سراح المعتقلين السياسيين سواء في سجون السلطة في رام الله أو سجون حركة حماس في غزة.

ثالثاً: يعمل الاحتلال جاهداً على شن حملة اعتقالات في صفوف قادة حماس في الضفة، وتم تقديم تحذيرات لهم من خوض أي تجربة ترشح للإنتخابات سواء على مستوى عائلي أو محلي، وبذلك يستبق الاحتلال العملية الانتخابية كي يقوي فرص مرشحين على حساب مرشحين آخرين. بذلك يتبادل الاحتلال وأجهزة أمن السلطة الفلسطينية التضييق على كوادر حركة حماس.

رابعاً: ضمان تنفيذ مرسوم الحريات الذي رشح عن حوار الفصائل ومرسوم الحريات الرئاسي يحتاج أكثر من لجنة حريات تضمن تنفيذه وتراقبه، وإنما يحتاج لبيئة سياسية تحترم الحقوق الأساسية للمواطنين الفلسطينيين المنصوص عليها في القانون الأساسي، لأن التمرس في واقع الحريات هو ما يضمن إطلاقها وجعلها ضمن الوضع والنطاق الطبيعي طالما هي محمية بالقانون ولا تعتمد على هبات حقوقية رئاسية أو فصائلية.

خامساً: التجاذب الحاد حول اتفاقية الغاز والتعتيم الإعلامي على بنودها وتورية التفاصيل عن الشعب الفلسطيني يكشف حالة من عدم الشفافية والتلاعب بالمقدرات والموارد الفلسطينية بين قيادات الفصائل، كذلك الأمر في حالات الفساد في توزيع لقاحات كورونا التي حصلت عليها السلطة الفلسطينية والتي شهدت انتقادات واسعة في الشعب الفلسطيني لأنها لم تخضع لإجراءات عادلة ولم يتم توزيعها على الفئات الأكثر عرضة للإصابة، بل شهد توزيعها اختراق لحالات الضرورة والانتفاع بها بشكل مخالف للقانون.

سادساً: عملية التزوير في السجل الانتخابي، وتبديل مراكز الاقتراع لمواطنين محسوبين على فصيل معارض وما تبعها من حالة تغاضي وعدم تقديم المسؤولين عن التلاعب للقضاء يشي بالعبث المسبق بنتائج الانتخابات المرتقبة.

هذه الانتهاكات التي تبعت حوار القاهرة ومخرجاته كفيلة بأن تقدم رسائل واضحة على أرض الواقع للشعب الفلسطيني، مفادها أن القيادات الفلسطينية لا تلتزم بمخرجات حوار القاهرة أو مرسوم الحريات الصادر عنها، وأن هنالك حالة مكرسة على أرض الواقع من قبل الفصائل يصعب اختراق بنيتها وتصحيحها عبر اتفاقات وإنما باستبدال جذري لتلك القيادات التي لم تتوقف عن انتهاج نفس السياسات القمعية اتجاه معارضيها حتى باتت تصدر القضية الفلسطينية للخارج العربي والدولي كما لو أنه نزاع فلسطيني داخلي بين الفصائل على السلطة.

إن الصورة التي تخرج عبر الإعلام للعالم العربي والعالمي تعتمد على تقديم الفلسطينيين و فصائلهم كما لو أن هنالك حرب مستعرة بينها بالذات أن الأخبار الفلسطينية تحولت لاجتماعات تسوية بين الفصائل في القاهرة ومكة واسطنبول والدوحة وغيرها كما لو أن هنالك مفاوضات عملية سلام داخلي بين الفلسطينيين تجري بموازاة مفاوضات عملية السلام مع الإسرائيليين وهذا الواقع مختل ولا يمثل الحالة الفلسطينية كاملة.

الشعوب التي تتلقى الأخبار الفلسطينية على أنها صراع بين الأخوة الأعداء لا يمكن لها بأي حال من الأحوال أن تقف إلى جانب ضحية تمعن في التيه عن مسارها الوطني، بالذات الشعوب العربية التي هي ضحايا لأنظمة قمعية، كيف لضحية أن تأخذ مواقف قوية وداعمة مع ضحية أخرى تعيش بانسلاخ عن واقعها تحت الاحتلال وتمعن في الاختلاف على مكتسبات سلطة مشوهة تحت براثن الاحتلال، كيف للشعوب العربية وشعوب العالم أن تقف مع ضحايا احتلال يمعنون بتوجيه نفس الانتهاكات لمعارضيهم عبر زجهم في السجون تماماً كما تفعل سلطات الاحتلال؟، كيف يمكن للشعوب أن تدعم ضحية لا تقاوم جلادها وإنما تتصارع على سلطة واهية بأجواء يعمها القمع والفساد؟

في هذه الحاضنة المضطربة للحريات والحقوق لا يمكن النظر لعملية الانتخابات الفلسطينية إلا بأنها عملية هروب للأمام، هروب غير محسوب العواقب والنتائج، وطبيعة المؤشرات في مقياس الحريات على أرض الواقع يشي بأزمة حقيقية وعدم احترام من قبل الفصيلين الأكبرين على الساحة لتفاهمات إطلاق الحريات التي أتت لتؤكد على ما هو موجود فكانت بذلك لا تعترف بالانتهاكات الموجودة أصلاً مما عزز حالة الإنكار والتمادي في التشويش الأمني والقمعي للحريات على الأرض.

ما يحتاجه الشعب الفلسطيني على أرض فلسطين المحتلة وفي كافة أماكن تواجده في الشتات هو استبدال القيادات الفلسطينية التي أخذت دورها وأثبتت فشلها في مسارات عملية السلام المزعوم كذلك أثبتت فشلها في دعم أجنحة المقاومة فيها بتحديد أدوار المقاومة للحفاظ على استمراريتها السياسية، استبدالها بقيادات ودماء جديدة من الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم والذين لا تسكنهم مواريث الإخفاقات التاريخية التي خاضتها تلك الشخصيات المتهالكة على الساحة الفلسطينية ولم يتلوثوا بالانتفاع من استمرار سلطة تحمي مصالح طبقة محددة منتفعة.

تابعنا عبر



تعليق عبر الموقع