انتخابات الرئاسة في غياب فلسطينيي الخارج

المؤتمر الشعبي لفلسطيني الخارج
شارك عبر

| فلسطينيو الخارج |

يزداد المشهد قساوة على الفلسطيني في الخارج عندما يُهمّش ويُقصى عن قضاياه الوطنية والمصيرية، وهو الذي حمل عبء الثورة لعشرات السنوات بين الأردن، وسوريا، ولبنان..، كما حملها الفلسطيني في الداخل بين الضفة والقطاع والـ 48.
شعبٌ تبادل الأدوار وتقاسم المعاناة تطلعاً إلى اليوم الذي يتمتع فيه بحقه في العودة والحرية والكرامة، وتطلعاً إلى اليوم الذي ينصهر فيه الجميع في هوية وطنية واحدة تتعالى على الهويات الحزبية والانتماءات المناطقية القسرية.
هذا الشعب المعطاء، وتلك الثورة النابضة، هما عنوان لقضية واحدة اسمها فلسطين. فلسطين البوصلة التي دونها تنكسر المراهنات وتتيه الرايات. فلسطين التي تَرفع وتَمنحُ شرط التمسّك بأرضها كل الأرض، والتشبث بحق أبنائها كل أبنائها في القدس والعودة، دون تفريق أو مفاضلة بين الداخل والخارج أو بين الضفة والقطاع.
فلسطين، العقيدة والثورة، هي التي منحت الشرعية لقادة مرّوا بها عبر التاريخ ولا زالت؛ وفي تاريخنا المعاصر منحت فلسطين القائد ياسر عرفات الشرعية عندما عبّر عن تطلعات الشعب في الحرية والعودة إلى الأرض كل الأرض، فنبتت شرعيته كقائد من أرض النضال والكفاح والثورة ضد الاحتلال. وعندما ركب سفينة "أوسلو"، اهتزت الشرعية والثقة بالقائد والمسار التي قال فيها الشاعر محمود درويش في قصيدته "أحد عشر كوكباً.." والتي كتبها في العام 1992 أي بعد عام من مؤتمر مدريد وقبل عام من توقيع اتفاقية أوسلو؛ "إِنَّ هذا السَّلام سَيَتْرُكُنا حُفْنَةً مِنْ غُبار"، و"كُلُّ شَيّءٍ مُعَدٌّ لَنا، فَلِماذا تُطيلُ التَّفاوُضَ، يا مَلِكَ الاحْتِضارْ؟".
قُتل ياسر عرفات غدْراً، وتحوّلت القيادة إلى رئاسة، ولأن "الرئيس" الجديد يفتقر إلى ميراث الثورة وشرعية النضال لجأ إلى شرعية السلطة تحت الاحتلال، وجال الدنيا باسم الشعب الفلسطيني الذي أعرض عنه باحثاً عمّن يُسلّمه مفتاح الثورة وشرعية النضال لاستكمال مشوار التحرير والعودة، فكانت قوى المقاومة الخيار الوريث لتلك الشرعية، وكان أحد تجلياتها أن فقد فريق "أوسلو" شرعيته في السلطة في انتخابات العام 2006 والتي توقفت بقرار من السيد الرئيس محمود عباس حتى لا يخسر شرعية التمثيل الوطني في المجلس الوطني المختطف.
اليوم، وبعد اتساع دائرة الرفض الفلسطيني لمسار "أوسلو" وفريقه، يخرج علينا السيد محمود عباس بِبدْعة انتخاب "رئيس دولة فلسطين" بدلاً عن انتخاب رئيس السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة خلال الأشهر القادمة، ما يحمل في طياته خطيئة سياسية وطنية في أكثر من اتجاه:
أولاً: إن انتخاب رئيس دولة فلسطين، عبر تصويت أهلنا وشعبنا في الضفة الغربية وقطاع غزة البالغ عددهم نحو 5 مليون فقط لاختيار رئيس كل الشعب في الداخل والخارج والبالغ عددهم نحو 13.5 مليون، يعدّ اعتداءً صارخاً على حق الأغلبية، لا سيّما فلسطينيي الخارج. وهذا مدخل للطعن في شرعية الرئيس وكافة القرارات التي ستصدر عنه لاحقاً، ما قد يؤسس لانقسام وطني جديد بين الداخل والخارج الذي سيشعر بالإهمال والتهميش، فيندفع للبحث عن ذاته الوطنية عبر مسارات أخرى.
ثانياً: إن انتخاب رئيس دولة فلسطين وفق الصيغة الجارية، يؤسّس لأزمة استباقية بين صلاحيات رئيس "الدولة" ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، بمعنى هل رئيس دولة فلسطين هو حُكْماً رئيساً للّجنة التنفيذية لمنظمة التحرير؟ أو هل يجوز الجمع بين المنصبين؟ وإذا كان غير ذلك، فهل رئيس الدولة أعلى منصباً من رئيس منظمة التحرير أم العكس؟ وبالتالي ما هي صلاحيات كل منهما؟ هذا بالإضافة للسؤال عن جدوى وجود رئيس دولة فلسطين تحت الاحتلال المتحكّم بحركة السياسيين من وإلى رام الله؟ تأجيل هذا النقاش وغيره من طرح الأسئلة قد يؤسس لمشكلة لاحقة قابلة للانفجار، ناهيك عن الخشية من أن يكون ذلك محاولة لقطع الطريق أمام إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية والتشويش على دورها.
ثالثاً: إن حصر انتخابات رئيس الدولة في جغرافيا الضفة الغربية وقطاع غزة يعدّ اعترافاً بشرعية الاحتلال القائم على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، وهو ما يشكّل توريطاً سياسياً للفلسطينيين وللفصائل الفلسطينية الرافضة الاعتراف بالاحتلال، هذا بالإضافة إلى التشويش على فكرة حق العودة للاجئين الفلسطينيين الذين يعيش أغلبهم خارج فلسطين ولم يشاركوا في انتخاب الرئيس الذي سيكون طرفاً في التفاوض على حقهم في العودة.
علاوة على أن السيد محمود عباس يحاول تفصيل انتخابات رئاسية على مقاس قناعاته السياسية الأوسلوية، فإنه يحاول التأثير على مخرجات العملية الانتخابية، استثماراً رخيصاً للحصار والعقاب الجماعي المضروب على قطاع غزة، وتغوّل الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية التي تعاني من فقدان الحرية.
هذا السياق يستدعي من الفلسطينيين وفي مقدمتهم فلسطينيو الخارج أشخاصاً ومؤسسات، الوقوف في وجه هذا التعدّي على حقوقهم الوطنية، ورفض مرسوم انتخاب "رئيس دولة فلسطين" بصيغته الحالية، ما يدعو إلى التحرك بأخذ خطوات عملية في أكثر من اتجاه عبر الإعلام والاتصال السياسي المباشر مع الفصائل الفلسطينية تعبيراً عن تمسكهم بحقهم في اختيار من يمثلهم دون تهميش أو إقصاء، ما قد يشكّل فرصة إضافية للفصائل ولقوى المقاومة لممارسة الضغط على حركة "فتح" والسيد محمود عباس لوقف هذا التعدي على الحقوق الوطنية، والذي يعني بدوره تحصيناً للمسار السياسي والانتخابي معاً.
المصدر: المركز الفلسطيني للإعلام

تابعنا عبر



تعليق عبر الموقع