معركة 2021 فروقاتها ودلالاتها الاستراتيجية

المؤتمر الشعبي لفلسطيني الخارج
شارك عبر

| فلسطينيو الخارج |

حرب التحرير تتكون من سلسلة من المعارك بحيث تكون آخرها هي معركة حرب التحرير، ولكل معركة سماتها ومغازيها الاستراتيجية. وهي معارك تشكل تراكم النصر الجزئي لكل منها ويكون النصر النهائي في المعركة الأخيرة هو آخر جزء ليستكمل مشهد النصر النهائي. وبذلك تكون آخر معركة في حرب التحرير هي حصيلة الانتصارات الجزئية لكل معركة وبالتالي يكتمل مشهد النصر الكلي في آخر معارك حرب التحرير. 
يناضل الشعب الفلسطيني من أجل حريته وتحرير بلاده من الاحتلال الإسرائيلي منذ أكثر من ثلاثة وسبعين عاما. وفي رحلة حرب التحرير هذه خاض الشعب الفلسطيني مجموعة معارك من معركة الانتفاضة الأولى عام 1987 التي دامت قرابة ثلاث سنوات ثم معركة الانتفاضة الثانية عام 2000 ثم معركة مخيم جنين عام 2002 التي استمرت اثنا عشر يوما، ثم معركة 2008/2009 واستمرت واحد وعشرين يوما، تلتها معركة عام 2021 واستمرت ثمانية أيام، ثم معركة 2014 واستمرت واحدا وخمسين يوما ثم معركة 2021 التي استمرت أحد عشر يوما. وتناقش هذه الورقة الفروقات والدلالات الاستراتيجية التي تميزها عن غيرها من المعارك السابقة على درب التحرر. 

أولا: الفروقات الاستراتيجية في انطلاق المواجهة
•    في السابق وبشكل عام كانت المواجهات تبدأ استغلالا لحدث ما فتبدأ الحرب من أجل القضاء على المقاومة. وهذا ما حدث تقريبا في مواجهات 2008/2009 – 2012 – 2014. بينما بدأت معركة الانتفاضة الأولى بعد حادث دهس لمجموعة من العمال الفلسطينيين في غزة. في حين بدأت معركة الانتفاضة الثانية عندما اقتحم شارون مع مجموعة من المستوطنين المسجد الأقصى. 
•    ولكن سبب المواجهة في معركة 2021 مشابها لمعركة الانتفاضة الثانية وكانت القدس عنوانا لها. حيث عمل المحتل على تهجير اهالي حي الشيخ جراح واقتحامات المسجد الأقصى. بدأت معركة 2021 ردا على محاولات اخلاء وطرد سكان حي الشيخ جراح وتزامن ذلك مع الاعتداءات على المسجد الأقصى ولم تأبه الحكومة الإسرائيلية لكل النداءات المحلية والإقليمية والدولية بوقف طرد السكان ووقف الاعتداء على المسجد الأقصى في شهر رمضان، بل اقتحم الجيش الإسرائيلي في 28 رمضان المسجد الأقصى مطلقا النار على المصليين ومحطما لزجاج الشبابيك، فأطلقت حماس صاروخا على القدس الشرقية ردعا للمحتل  
•     وقد استخدم المحتل البعد الديني وأثاره لدى الطرفين، حيث استخدمه في حشد المستوطنين لإثارة القلاقل وتشجعيهم على اقتحام ساحات المسجد الأقصى، كما استهدف الهجوم على المصلين في المسجد الأقصى وكل ذلك لتحقيق مكسب سياسي شخصي لنتنياهو، فوقع المحتل في الفخ. 
ثانيا: المفاجآت الاستراتيجية
•    في السابق كانت المفاجأة في قدرة المقاومة على تحمل ضغط هجوم بري عنيف وامتصاصه ثم الرد عليه بتكتيكات ميدانية مفاجئة فيوقع في المحتل الخسائر وأسر بعض الجنود. وتميزت معركة 2014 باستخدام مميز للصواريخ في قصف المحتل. 
•    ظلت القوة الصاروخية للمقاومة حاضرة بقوة في الحالتين، وإن كانت في حرب 2021 كانت أكثر كافة، أذ أطلقت المقاومة أكثر من 4000 صاروخ في 21 يوما. 
•    لكن أهم مفاجأة كانت الحالة الفريدة منذ عام 1948 في التناغم الرائع التلقائي بين مكونات الشعب الفلسطيني وبين الشعب والمقاومة حيث هب الشعب الفلسطيني من القدس ومن مختلف المدن لدعم المقدسيين ومواجهة اقتحامات جنود الاحتلال، ثم تتدخل المقاومة من غزة لتخفف الضغط على شعبنا في القدس والمسجد الأقصى، ثم يقتحم أهلنا في ال 48 الميادين ليخففوا الضغط ووحشية القصف على غزة. هذا إيقاع وتناغم لم يحدث منذ 1948 ولا حتى قبلها.  
ثالثا: المستمرات الاستراتيجية
هناك مجموعة من المستمرات الاستراتيجية التي ظلت حاضرة في معرك حرب التحرير بشكل عام، وهنام مستمرات أخرى بدأت تعمل منذ حرب 2021 وحتى الآن، فعلى سبيل المثال: 
•    استمرت المحتل في الوحشية والغطرسة والبربرية في جميع الحالات من التهجير وتدمير المنازل وقتل المدنيين وغير ذلك
•    ظل الشعب الفلسطيني صامدا لا يلين ولا ينكسر له عود بإذن الله
•    استمر منحنى تطور المقاومة في الازدياد وازدادت قوتها وقدرتها على تنفيذ وعودها
•    ظلت القوة الصاروخية لاعب رئيسي منذ حرب 2012
•    يستمر الشباب والشابات والرجال والنساء المؤمنين: 
1.    أصحاب الوجوه المبتسمة للمواجهة
2.    الحاملين لقضيتهم ووطنهم 
3.    المقبلين على التضحية بصدور عارية ولكن بقلوب يغمرها الايمان واليقين
4.    المقبلين على لقاء الله وجنانه
هم المحرك والوقود لكل المواجهات والمعارك.  
•    استمرار التنسيق الأمني المقيت الذي يظهر قيادة السلطة بالعجز والتخاذل والتآمر
•    استمرار ضعف الموقف العربي الرسمي بشكل عام عدا مجموعة من الدول العربية كالكويت والجزائر وقطر
•    صلابة الموقف الشعبي والبرلماني العربي والإسلامي الملتحم مع الشعب الفلسطيني والداعم له بكل إمكاناته ويثبت دائما أنه هو العمق الاستراتيجي للشعب الفلسطيني ولقضيته كما هو في الأردن والكويت وقطر والجزائر والمغرب وموريتانيا والعراق والباكستان وماليزيا واندونيسيا ولبنان والسودان وبقية الشعوب العربية والاسلامية
•    استمرار التعاطف الشعبي العالمي حتى في الولايات المتحدة وازدياده بشكل ملحوظ في معظم العواصم العالمية. 
رابعا: الدلالات الاستراتيجية
•    فشل مشاريع التطبيع مع هذا المحتل المتغطرس وسقوطها أمام الشعوب
•    القدس كانت وستبقى عقدة الصراع وجوهرة الالتحام الوطني الفلسطيني وأنها الجامعة له، وجوهرة الالتحام الشعبي العربي والإسلامي مع الشعب الفلسطيني
•    المقاومة قادرة على احداث فرق واضح بالرغم من قدراتها التي لا تقارن مع قدرات الإسرائيلي العسكرية
•    هذا الصراع صراع وجود وصراع عقدي واضح المعالم
•    هشاشة العمق الاستراتيجي للمحتل من حيث 
1.    هشاشة العمق الطبوغرافي فلا يوجد له عمق جغرافي مناسب للدفاع وكل سلسلة المعارك هذه تسقط استراتيجية العدو التي كان يعتمدها والقائمة على نقل المعركة لأرض الخصم، فكل هذه المعارك حدثت على أرض فلسطين المحتلة أي في عمقه الجغرافي 
2.    هشاشة العمق الديمغرافي حيث الانشقاق الداخلي اليهودي والطبقية من حيث السفرديم والاشكناز والسود من اثيوبيا. والأهم من ذلك تحرك فلسطينيو ال 48 بقوة في هذه المعركة.  
3.    هشاشة العمق السيادي حيث استطاعت المقاومة بقدراتها المتواضعة أن توقف حركة الطيران والقطارات وتشل عددا من الموانئ، وأن تضع الملايين من المحتلين في الملاجئ لساعات طويلة. ويضاف لذلك توقف حركة الاقتصاد لدى المحتل وتهديده بتخفيض درجة الائتمان. 
•    وبالتالي فإن أي تغيرات جيوسياسية إيجابية في دولة من دول الجوار سيحدث نقلة نوعية في الصراع، وأن أي تغير إيجابي جيوستراتيجي في المنطقة سينتج عنه نقلة نوعية في الصراع كذلك.
الخلاصة
تشهد حرب تحرير فلسطين معارك متتالية وصولا لمعركة التحرير الكبرى إن شاء الله، وفي هذا السياق تتميز كل معركة بخواص تختلف عن الأخرى. وحيث بدأت حرب 2021 من حيث انتهت حرب 2014 بقصف الأبراج وقصف تل ابيب في، فإن المعركة القادمة ستكون أشد ضراوة وستبدأ من حيث انتهت حرب 2021. كما ستشهد وسائط تدميرية من قبل الطرفين وبالطبع لن تكون متكافئة ولكنها ستكون أشد ما يملك كل طرف. ومن المشاهد أن المحتل بالرغم من قدرته العسكرية إلا أنه يخسر بالمجمل من حيث عدم قدرته على تحقيق أهدافه العسكرية. وفي المقابل تتطور المقاومة وتحوز مكاسب تناسب قدراتها ولكنها تحدث تغييرا في كل مرة. لقد كان عنوان معركة 2021 هو القدس وهذه نقلة نوعية في حرب التحرير هذه، ومن المتوقع أن تصبح هي العنوان الدائم وخصوصا أن المحتل يزداد تطرفا دينيا ويهيج النوازع الدينية وسيحولها لحرب مقدسة. كما أن التعاطف الشعبي والرسمي الدولي في انحياز نحو مظلومية الشعب الفلسطيني مما يعني تآكل حبل الناس الداعم للمحتل.

تابعنا عبر



تعليق عبر الموقع