قرن وأربعة أعوام.. لم يسقط حق الفلسطيني رغم تقادم السنين

المؤتمر الشعبي لفلسطيني الخارج
شارك عبر

| فلسطينيو الخارج |

في الثاني من نوفمر من كل عام يستذكر الفلسطينيون تلك الرسالة التي لم يتجاوز عدد كلماتها الـ67 كلمة، والتي غيّرت معالم حياة الفلسطينيين وغيّبت في طياتها كافة حقوقهم.

تلك الرسالة التي سمّيت بـ"وعد بلفور" نسبة للتصريح الذي أصدره وزير خارجية بريطانيا آن ذاك آرثر بلفور في الثاني من نوفمبر عام 1917 والذي منحت بموجبه بريطانيا الحق لليهود بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين بناءً على المقولة المزيفة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض." ليكون انطلاقة النكبات الفلسطينية.

أصل الحكاية

بدأت الحكاية عندما ساعد زعيم الحركة الصهيونية في ذلك الوقت حاييم وايزمان بريطانيا، باستخراج مادة "الأسيتون" التي كانت تستخدم في صنع الذخائر الحربية، إبان الحرب العالمية الأولى، والتي كانت تستخرج من خشب الأشجار، وكان استخراجها بكميات كافية يحتاج إلى مقادير هائلة من الخشب، ولم يكن في إنجلترا غابات كثيرة تفي بهذه الحاجة، فكانت تستورد من أميركا، بأسعار مرتفعة.

كان وايزمان وهو أستاذ كيمياء، مقتنعاً بأن أمل الحركة الصهيونية رهين بانتصار الحلفاء، فوضع مواهبه تحت تصرف بريطانيا، واستطاع بعد بضعة أسابيع أن يستخرج المادة المطلوبة "الأسيتون" من عناصر أخرى غير الخشب، مثل الحبوب والذرة على وجه الخصوص، وبذلك وجد لبريطانيا حلاً للاستغناء عن استيراد المادة من أميركا وتصنيع السلاح بنفسها.

ورفض وايزمان في حينها أي جزاء مقابل عمله، مشترطاً أن تصنع بريطانيا شيئاً في سبيل "الوطن القومي لليهود".

وبالتالي أرادت بريطانيا مكافأة الحركة الصهيونية على مساعدتها لها في الحرب، فكان ذلك الوعد، الذي منح اليهود الحق في إقامة وطن قومي لهم في فلسطين وتحقيق حلم وايزمان.

حيث بعث وزير خارجية بريطانيا في تلك الفترة، آرثر بلفور، رسالة إلى اللورد ليونيل روتشيلد أحد زعماء الحركة الصهيونية آنذاك، وجاء في نص الرسالة: "إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يكون مفهوماً بشكل واضح أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى. وسأكون ممتناً إذا ما أحطتم اتحاد الهيئات الصهيونية علماً بهذا التصريح".

وكانت صيغة الرسالة قد أعطت الحق لليهود في اغتصاب أرض مأهولة بأصحابها، الأمر الذي اعتُبِر تعدٍّ على كافة الحقوق التي تكفلها القوانين والمواثيق الدولية.

لماذا فلسطين تحديداً؟

على الرغم من أن تعداد اليهود في فلسطين في ذلك الوقت لم يكن يتجاوز الـ5% إلا أن بريطانيا كان لها أهداف من اختيار فلسطين وطناً لليهود ومن أبرزها "أن بريطانيا أرادت إضعاف الشعب العربي، وتقسيم الشرق الأوسط، وإنجاح مشروعها الاستعماري في المنطقة، وأيضاً تقسيم المنطقة وزرع كيان يفصل بلاد الشام عن مصر، وإفشال الوحدة العربية حتى لا تشكل خطراً على "إسرائيل"، بالإضافة إلى التخلص من التواجد اليهودي في الغرب واستخدامهم لتقسيم المنطقة العربية."

ما بعد التصريح

وبعد مرور عام على التصريح، أعلنت كل من إيطاليا وفرنسا موافقتها عليه، لتتبعها موافقة أميركية رسمية عام 1919، ثم لحقت اليابان بالركب في العام ذاته.

ثم تتابعت الهجرة اليهودية من شتى أقطار العالم، واحتل الجيش البريطاني فلسطين بشكل كامل، بعد أعوام قليلة، والذي سُمّي بـ"الانتداب البريطاني".

وفي عام 1948، خرجت بريطانيا من فلسطين، وسلّمت الأراضي الفلسطينية لـ"منظمات صهيونية مسلّحة"، حيث ارتكبت مجازر بحق الفلسطينيين وهجّرتهم من أراضيهم لتأسيس دولتهم عليها، فيما عُرفت تلك الحادثة فلسطينيا بـ"النكبة".

ثلاثة أرباع فلسطين وقعت آنذاك تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي، في حين حكمت الأردن الضفة الغربية وخضع قطاع غزة للإدارة المصرية.

وبعد 19 عاماً، وبالتحديد سنة 1967، احتلت "إسرائيل" الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة مع شبه جزيرة سيناء، ومرتفعات الجولان السورية.

وبعد توقيع اتفاقية "أوسلو" بين الاحتلال الإسرائيلي ومنظمة التحرير الفلسطينية عام 1993، خضعت الضفة الغربية بدون القدس وقطاع غزة، للحكم الذاتي الفلسطيني.

تلك أبرز الأحداث التي تبعت تصريح بلفور الذي أسس لمشروع احتلالٍ مارَسَ كل أشكال الجرائم، في محاولة للسيطرة على أرض مُنحت له بقرار بعيد عن كافة القوانين والمواثيق الدولية.

"بلفور" قانونياً

حسب القوانين الدولية، يعتبر تصريح بلفور مخالفاً لمبادئ الأخلاق والقانون الدولي والإنساني، حيث يجسد صورة لانتهاك حقوق الفلسطينيين، كما أن صاحب التصريح هو شخص وليس دولة وأرسله إلى شخص لا يتمتع بصفة رسمية، ولا يعتبر التصريح قانونياً لأن "بلفور" منح أرضاً لم تكن لبريطانيا أي رابطة بها ولم يكن التصريح معاهدة.

قرن وأربعة أعوام

على الرغم من مرور 104 أعوام على التصريح ومرور القضية الفلسطينية بتغيرات وتطورات كثيرة إلا أن عدد من الشخصيات الفلسطينية أجمعوا على أن كل ما تمر به القضية الفلسطينية اليوم هو نتاج ذلك التصريح، مطالبين بريطانيا بضرورة الاعتذار عن تصريحها.

حيث قال القائم بأعمال الهيئة العامة للمؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج ماجد الزير إن "الشعب الفلسطيني يجدد على مدار قرن من الزمان تمسكه بحقه ورفضه للالتزام البريطاني تجاه اليهود بأن تكون فلسطين وطناً قومياً لهم."

وأضاف في حديثه لـ"فلسطينيو الخارج" أن "الشعب الفلسطيني لم ينفك طوال تلك العقود عن وقوفه بصرامة وبوحدة أمام هذا التعدي على حقوقه الذي انبنا عليه تجريد الشعب الفلسطيني".

وأكد أن تقادم الزمن لم يعني للفلسطينيين إلا مزيد من التأكيد على حقهم في هذا المجال، موضحاً أنه في هذا الزمان ومع تطور وسائل التواصل والتكنولوجيا والأدوات القانونية انبرت الجاليات الفلسطينية والشعب الفلسطيني في كل مكان ليقفوا أمام الحقيقة ويضعوها أمام البريطانيين بأن الفلسطينيين مازالوا يطالبون بحقوقهم.

وطالب بريطانيا بالوقوف أمام مسؤولياتها السياسية والقانونية والأخلاقية تجاه الشعب الفلسطيني، وأن تعتذر كما اعتذرت للشعوب التي كانت تحت المستعمرات البريطانية طوال الاستعمار البريطاني لقرون في كل أنحاء العالم، وتقوم بدفع كل ما يمكن من استحقاقات بكافة المجالات للشعب الفلسطيني بعد الاعتذار".

وحول تداعيات التصريح على اللاجئين الفلسطينيين أكد مدير عام دار العودة للدراسات والنشر ياسر علي، أن تصريح بلفور أدّى إلى احتلال فلسطين، وأسفر عن أكثرمن 900 ألف لاجئ، وتدمير أكثر من ألف قرية، وإحداث أطول عملية لجوء في التاريخ، وأيضاً سبب مأساة للاجئين الفلسطينيين في المخيمات والشتات، بالإضافة إلى المجازر "الإسرائيلية" بحق الشعب الفلسطيني.

من جانبه قال المطران عطاالله حنّا لـ"فلسطينيو الخارج" إن" تصريح بلفور كان سبباً في التآمر على فلسطين وسبباً في كل المشاريع التي هدفت لتصفية القضية الفلسطينية، وما حل بالشعب الفلسطيني من نكبات ونكسات أدت إلى تشريد عدد كبير من الفلسطينيين الموجودين اليوم في مخيمات اللجوء وفي بلاد الشتات."

وأكد على أنه منذ "وعد بلفور" وحتى "وعد ترامب" وعلى الرغم من كل المؤامرات التي مرّت على الشعب الفلسطيني إلا أن الشعب الفلسطيني لم يستسلم لأي مؤامرة أو مشروع هادف لتصفية قضيته.

من جهة أخرى ربط الخبير الاستراتيجي الدكتور وائل شديد خلال حديثه لـ"فلسطينيو الخارج" العلاقة بين تصريح بلفور قديماً والتطبيع العربي حديثاً حيث قال إن "وعد بلفورلا يمكن له أن يستمر ولا يمكن له أن يتحقق إلا بالتطبيع.

وأوضح أن التطبيع بالنسبة للكيان الصهيوني هو ضرورة وجودية أساسية ومصلحة اقتصادية وسياسية داخلية له، وأيضاً سياسية خارجية ضمن التكوين "الجيو استراتيجي" للإقليم حتى يستطيع أن يكون له دور.

كما طالب شديد بضرورة التحرك لرفض الوعد، ورفع القضايا على بريطانيا حتى تتحمل هذه المسؤولية.

وتابع "لابد لبريطانيا والمملكة المتحدة أن تدفع تعويضات "بالترليونات" للشعب الفلسطيني نتيجة ما عاناه من تهجير ومن معاناة خلال الـ104 سنوات التي مضت".

حراكات وتنديد شعبي

شهدت القارة الأوروبية، عدة وقفات شعبية أمام السفارات البريطانية، وذلك في الذكرى 104 لتصريح بلفور، بمشاركة عدد الفلسطينيين والمتضامنين العرب والأوروبيين مع القضية الفلسطينية.

وأحيت العديد من المؤسسات الفلسطينية في أوروبا ذكرى تصريح بلفور، من خلال وقفات احتجاجية أمام سفارات بريطانيا في ألمانيا والدنمارك وهولندا وإيرلندا وبلجيكا وإيطاليا ودول أخرى.

كما سلمت المؤسسات مذكرات إلى الحكومة البريطانية، طالبت فيها بتقديم الاعتذار للشعب الفلسطيني عن تصريح بلفور وتعويض الفلسطينيين عما لحق بهم من نكبات بسبب هذا التصريح.

وجاء في المذكرة أن تصريح بلفور غير شرعي ولا أساس له من الصحة، حيث لا يحق لأي قوة استعمارية أن تعطي ما لا تملكه لمن لا يستحقه.

كما دعت المؤسسات المملكة المتحدة إلى اتخاذ خطوات عملية لإعادة حق الفلسطينيين التاريخي في وطنهم.

ورفع المشاركون في الوقفات الأعلام الفلسطينية، مؤكدين على تمسك الفلسطينيين في أوروبا بحق العودة.

ويشار إلى أن القارة الأوروبية تشهد سنويا حراكاً شعبيا وسياسياً وقانونياً في ذكرى تصريح بلفور، بهدف الضغط على بريطانيا وتحميلها المسؤولية عن التصريح وأثاره الكارثية على الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة.

وفي ذلك تأكيد على أن الشعب الفلسطيني لا ينسى حقوقه المسلوبة منطلقاً من قاعدة أن الحقوق لا تسقط بالتقادم مهما طالت السنين وأنه لا يضيع حق وراءه مطالب.

تابعنا عبر



تعليق عبر الموقع