حكمت درباس.. من أزقة مخيم النيرب إلى محاضر في جامعات أميركا

المؤتمر الشعبي لفلسطيني الخارج
شارك عبر

| فلسطينيو الخارج |

في غرفة صغيرة في المهجع رقم 10 بمخيم النيرب في حلب السورية؛ بدأ اللاجئ الفلسطيني حكمت درباس يرسم ملامح مستقبل واعد.

كانت غرفة "البركس" تلك، بسقفها الخشبي، حصة جده من اللجوء، ومنها بدأ "درباس" قصة نجاحه، حتى صار محاضرًا في جامعة أوهايو الأميركية.

في حديثه لـ"قدس برس" يستعيد درباس جزءًا من شريط ذكرياته في أزقة المخيم وشارع السوق. في طريقه إلى مدرسة عكا التابعة لوكالة الغوث؛ كان هناك أشخاص أشبه بعلامات للمكان لا تنسى، كما شكلت بساتين المخيم عاملاً أساسيًا في تكوين شخصيته، وصقلها بالانطلاق والرغبة في التغيير.

يقول "درباس": "لم أستمتع كثيراً بالمناهج الدراسية؛ لأنها كانت إملائية وقسرية، لكنني كنت شغوفًا بالمعرفة، وقد روت مكتبة وكالة الأونروا هذا الشغف، فقد عثرت فيها على تلك الموسوعات الجميلة المصورة، وكتب التاريخ والقصص ودواوين الشعر، ومن هنا جاءت معرفتي النظرية المرتبطة بفكرة الحرية في الاختيار".

وأضاف: "خلال المرحلة الثانوية؛ بدأت بالاهتمام بالعلوم الإنسانية، تحديدًا التاريخ والأدب، وحينها انتقلت من الفرع العلمي إلى الأدبي، ورحت اقرأ الكتب بنهم. كنت أجتمع بالأصدقاء يومياً بعد المدرسة، في بيت أحدنا أو في البساتين المحيطة، بينما كان المشي على سكة القطار تقليداً شائعاً آنذاك، وكنا نستمتع بهذه الهواية، وندردش في السياسة والثقافة والشؤون الشخصية".

وتابع "درباس": "لم أكترث كثيرًا لمعدلي الدراسي؛ لأنني لم أؤمن يومًا بهذا المقياس، بل كنت أجده مضحكًا، ولذلك حرصت على تحصيل العلامات التي تؤهلني للنجاح وحسب، فقد كنت أدرك حينها أنني لا يمكن أن أبدع إلا إذا تحررت من نظام العلامات والحفظ. بمعنى آخر؛ كنت أنتظر لحظة الانتقال من مجرد دارس يحفظ ما يملى عليه؛ إلى باحث يكتب فيما يشاء".

المرحلة الجامعية

وأشار إلى أن المرحلة الجامعية كانت نقلة نوعية في حياته "بالمعنى الوجودي، لا الدراسي" لأنه خرج معها من إطار المخيم إلى فضاء أرحب، حيث مدينة حلب.

يقول "درباس": "اخترت دراسة التاريخ؛ لأنني كنت شغوفاً بقصة الإنسان. كانت الدراسة نمطية أيضاً باستثناء بضعة أساتذة ذوي حس نقدي كان لهم أثر إيجابي على طريقة تفكيري، مثل فاروق إسماعيل ومحمود حريتاني".

وأضاف: "كانت الظروف المعيشية صعبة عليّ، كما هي على جميع شباب المخيم، لذا اضطررت إلى العمل كي أتمكن من دفع الرسوم الجامعية".

بعد التخرج من الجامعة؛ حصل "درباس" على فرصة عمل في وزارة التربية مدرساً للعلوم الاجتماعية في مدرسة تبعد حوالي 40 كم عن حلب. ومع استقرار وضعه المادي نسبياً؛ قرر متابعة الدراسات العليا، واختار دبلوم اللغات السامية؛ لأنه يرى أن اللغة مفتاح المعرفة التاريخية ومستودع الثقافة، وفق قوله.

يتابع: "ثم انتقلت للعمل في مدارس وكالة الغوث، وتابعت الماجستير في جامعة حلب، حيث تخصصت في اللغة الأكادية، حتى وقعت في غرام هذه اللغة بتراثها الغني؛ من أساطير وقصائد ملحمية ومراسلات".

جسر العبور إلى أوروبا

رغم تحسن الوضع المادي والعلمي لـ"درباس"؛ إلا أنه كان يطمح بالالتحاق بإحدى الجامعات الغربية من أجل تحصيل علمي أكاديمي ومنهجي، وقد تم ذلك فعلاً عام 2011.

يقول: "تراسلت آنذاك مع بروفيسور ألماني في جامعة لايدن الهولندية، وقَبِل الإشراف على عملي، وكان هذا القبول جسر عبوري إلى أوروبا، حيث التحقت بالجامعة وبدأت البحث والاطلاع على المصادر الغنية، وتعرفت على أساتذة وباحثين كثر من جامعات مختلفة، ورحت أيضاً أكتشف تفاصيل الحياة في أوروبا على حقيقتها".

وأضاف: "لم تكن الأمور سهلة مادياً، فقد سافرت على نفقتي الخاصة، وكان الحصول على عمل أمراً عسيراً، بل ممنوعاً لشخص مثلي جاء لإتمام دراسته العليا على نفقته، فاضطررت إلى العمل في المطاعم والمعامل دون رخصة".

غزّة مفتاح الحظ

انتقل "درباس" إلى الترجمة، كان ذلك حين تعرف على فنانة هولندية متعاطفة مع القضية الفلسطينية، تدعى "انغريد روليما".

وكانت "روليما" قد بدأت مشروعاً لتخليد ذكرى شهداء عملية "الرصاص المصبوب" التي مثلت العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في 2008، وهو مزيج من مركب فني ونصوص بالإنجليزية والهولندية، وكانت فكرة المشروع إنتاج كتاب بنسخ تحمل أسماء الشهداء، لترصف على أرض المسرح، مشكِّلة ما يشبه المقبرة الجماعية.

ترجم "درباس" مجموعة من مقالات كتاب "الرصاص المصبوب" لـ"روليما"، ومن ثم توالت أعمال الترجمة بعدها. وفي الوقت نفسه؛ حصل على إقامة في أوروبا، فصارت الأمور أكثر استقراراً، خصوصاً بعد حصوله على منزل.

وقال درباس: "أنهيت العمل على أطروحة الدكتوراه في السنة الخامسة تقريباً وهي بعنوان (التسمية بأسماء الحيوان في اللغات السامية)، وناقشتها في الشهر نفسه الذي حصلت فيه على الجنسية".

ويضيف: "تحمست بعد ذلك للكتابة والبحث؛ ففي تلك الفترة أنجزت الكثير من المقالات والدراسات، مثل (أسماء الجواري في المصادر العربية القديمة والحديثة)، و(منامات التسمية في الثقافة العربية)، و(صلاة الجماعة في مدينة إسلامية باكرة والمدينة المنورة في زمن الرسول)، واستأنفت العمل على كتاب كنت قد بدأت إنجازه في سورية بعنوان (التمرد والمقاومة في الشرق القديم) وسيصدر قريباً".

المصدر/ قدس برس 

تابعنا عبر



تعليق عبر الموقع