الاعتكاف ويوم القدس: معركة جديدة في الأقصى

المؤتمر الشعبي لفلسطيني الخارج
شارك عبر

| فلسطينيو الخارج |

لا تكاد تنتهي معركة في المسجد الأقصى إلا وتبدأ معها معركة جديدة. فبينما نعيش اليوم في ظلال هبة باب الرحمة التي كانت عنواناً لتحدٍّ كبير انتصرت فيه إرادة المقدسيين، يحمل شهر رمضان المبارك معه نذر أزمة جديدة تلوح مرة أخرى، عنوانها هذه المرة الاعتكاف في المسجد الأقصى المبارك الذي تحاول سلطات الاحتلال جاهدةً منعه بأي وسيلة في هذا الشهر بالذات، خاصة وأن شهر رمضان المبارك يتوافق هذا العام مع واحد من أخطر وأهم الأعياد الصهيونية الوطنية، وهو ما يسمى عندهم "يوم القدس".

اعتدنا في السنوات الماضية أن نشهد توتراً ملحوظاً في مدينة القدس في هذا العيد الذي يمثل لدى دولة الاحتلال الإسرائيلي ذكرى ما يسمى "توحيد شطري القدس"، الذي يُقصَد به بالطبع احتلال كامل المدينة بشطريها الشرقي والغربي حسب التقويم العبري، وخطورة هذا اليوم أنه يمزج الوطني بالديني، ولعل الجانب الوطني هو أكثر ما يجمع الأحزاب والجماعات المتطرفة على اختلاف مشاربها وأصولها الدينية والعلمانية.

لكن ما يميز هذا العام هو أن هذا العيد يأتي في وقت في غاية التعقيد؛ فتشكيلة الحكومة الإسرائيلية لم تنجَز بعد ولا زالت في مرحلة المشاورات، مما يعني أن المزايدات ممكنة ومتوقعة في كل خطوة. كما أن شهر رمضان المبارك هذا العام يأتي في ظل انتصار المسلمين في هبة باب الرحمة وشعور الجماعات الصهيونية المتطرفة بالإهانة والإذلال بعد أن رأت مشروعها، الذي عملت عليه سنوات طويلة في مصلى باب الرحمة يتهاوى أمام أعينها في غضون أيام!

والأسوأ بالنسبة لهم أن هذا العيد يأتي في ذروة الوجود الإسلامي في القدس والمسجد الأقصى المبارك في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك وتحديداً في ليلة ختمة القرآن الكريم؛ ليلة التاسع والعشرين من رمضان!

هذه العوامل جعلت جماعات المعبد المتطرفة –وهي أشد أنواع الجماعات الصهيونية تطرفاً في القدس– تبدأ من الآن بتجهيز نفسها لمعركة عنوانها اقتحام المسجد الأقصى المبارك في ذلك الوقت الحرج، فبدأت من الآن بإرسال رسائل احتجاج إلى المؤسسات الأمنية والقضائية الإسرائيلية لتضمن اختراق الشرطة الإسرائيلية للمحظور وسماحها لهذه الجماعات باقتحام المسجد الأقصى بأعداد كبيرة في ذلك اليوم بالذات.

حتى أن أحد زعمائهم –هيليل فايس– رفع دعوى قضائية لدى المحكمة الإسرائيلية العليا لإلغاء قرار الشرطةم
الصهيونية، بمنعهم من اقتحام المسجد الأقصى في ما يسمى "يوم القدس"، قائلاً في إحدى منشوراته: (سنقاتل من أجل جعل جبل المعبد مفتوحا في هذا اليوم كما نقاتل عن منازلنا)!

في المقابل، تبدأ قوات الاحتلال هذا العام معركةً مع المقدسيين عنوانها محاولة منع الاعتكاف في المسجد الأقصى المبارك ليلاً في شهر رمضان المبارك، والاقتصار في ذلك على العشر الأواخر أو حتى بعضها، وذلك فيما يبدو محاولة للوقوف دون التمدد الإسلامي في المسجد الأقصى ومحاولات المسلمين فيه العودة إلى الأوضاع الطبيعية التي سبقت الاحتلال. فالمسجد الأقصى المبارك كان على مر التاريخ الإسلامي مفتوحاَ للمعتكفين لا يغلق بليلٍ أو نهارٍ، والأصل أن الوضع القائم في المسجد الأقصى هو بقاء كل شيء على ما هو عليه.

لكن الاحتلال الإسرائيلي غَيَّر كثيراً من العادات في المسجد الأقصى منذ الاحتلال وإن كان يزعم الحفاظ على الوضع القائم، فالوضع الطبيعي في المسجد الأقصى كان إلى ما قبل الانتفاضة الثانية يقتضي فتح المسجد الأقصى المبارك بشكل دائم للاعتكاف في شهر رمضان المبارك –وإن كان قبلها مفتوحاً على مدار شهور السنة– ولكن الاحتلال تجاوز ومنع ذلك بعد انطلاق انتفاضة الأقصى عام 2000، حتى وصل في عام 2014 إلى منع الاعتكافات في المسجد باستثناء العشر الأواخر من رمضان وببالغ الصعوبة.

وهو اليوم يحاول الاستمرار في هذا المنع والتمترس خلف واجهات مختلفة، منها محاولته وضع دائرة الأوقاف الإسلامية وحراسها في مواجهة المعتكفين الغاضبين، وذلك بتهديد الموظفين والحراس بالقوة واستعراض العضلات والسلاح داخل المسجد كل ليلةٍ من ليالي شهر رمضان المبارك، وهذا الأسلوب يهدف بالدرجة الأولى إلى وضع حراس المسجد الأقصى في الواجهة وتدمير صورتهم أمام المقدسيين، وهو ما يجب على إدارة الأوقاف الإسلامية الامتناع عنه مهما كان الثمن.

فيكفي أن تمتنع الدائرة وموظفوها وحراسها عن تنفيذ أي طلبات للاحتلال، خاصة إن كانت تتعلق بطلب مغادرة المعتكفين المسجد، حتى يجد الاحتلال نفسه في مواجهة الشعب مباشرة، وإن كان العدد قليلاً في ليلةٍ فإنه –في حال حدوث أية مواجهة– سيكثر ويكبر بما يعجز عنه الاحتلال كما حدث مرات ومرات سابقاً، كان أحدثها هبة باب الرحمة.

مع انتصار المقدسيين في معركتين مهمتين في المسجد الأقصى: أي هبة باب الأسباط وهبة باب الرحمة، يشعر المقدسيون اليوم أنهم قادرون على إعادة الأمور إلى نصابها في المسجد، ووقفِ قطعانِ المستوطنين المتطرفة وشرطةِ الاحتلال عن مزيد من العبث والتخريب في المسجد الأقصى المبارك.

وهم الآن يبدأون معركةً جديدةً مع الاحتلال عنوانها هذه المرة إعادةُ سنة الاعتكاف التي فرض الاحتلال منعها بالقوة خلال السنوات الماضية، وكسرُ إرادة الاحتلال بقضائه وشرطته وحكومته ومستوطنيه بمنع هذه الجماعات المتطرفة من الاقتراب من المسجد الأقصى المبارك فيما يسمونه "يوم القدس" أو غيره، وهي معركة عنوانها التحدي والعناد. فقد فهم الشعب الفلسطيني في القدس أنه يملك السلاح الأشد والأقوى، الذي لا يمكن لأي قوة في الأرض أن تردعه، وهو الكثافة العددية والردع الجماهيري.

ويمكن اليوم أن يكسر قرار الاحتلال بمنع الاعتكافات في المسجد الأقصى عبر كثافة أعداد المعتكفين، كما يمكن كسر محاولات جماعات المعبد المتطرفة اقتحام المسجد نهايةَ شهر رمضان المبارك أيضاً بكثافة أعداد المعتكفين والمصلين في المسجد على مدار اليوم.. هي وصفة بسيطة لا يملك الاحتلال لها حلاً.

إن هزيمة الاحتلال في القدس وفي أقدس بقاعها، المسجدِ الأقصى المبارك، سيكون مؤشراً مهماً لفشل مشاريعه الأكبر والأخطر وعلى رأسها مشروع تصفية القضية الفلسطينية المسمى اليوم "صفقة القرن"، فهذه المشروعات كلٌّ مترابطٌ، إذا فشل أصغرها تبعه أكبرها، وليست القضية بالتالي مجردَ قضيةِ سنَّةِ اعتكافٍ أو فريضة صلاةٍ، وإنما هي مسألة لها تبعات أبعد وأكبر وأخطر إذا ما فهم المقدسيون والفلسطينيون هذه المعادلة، فهل تصل الرسالة؟

المصدر: صحيفة الاستقلال

تابعنا عبر



تعليق عبر الموقع