الكاتب: روان الضامن
بقلم / روان الضامن
صانعة أفلام ومستشارة إعلامية

في الذكرى الخامسة والعشرين لاتفاق أوسلو، انتشر على منصات التواصل الاجتماعي وبرامج الدردشة بين الفلسطينيين والعرب، مقطع ترويجي من وثائقي جديد بعنوان (مذكرات أوسلو) يدّعي أنه يتضمن مقطعا يشتم فيه مبارك عرفات، ليوقّع اتفاق غزة – أريحا أولا عام ١٩٩٤، وهو ما أضيء عليه في ترويج الوثائقي لجذب المشاهدين! دونما أيّ إثبات بالصوت والصورة على ذلك.
 
(مذكرات أوسلو) وثائقي مدته ٩٠ دقيقة سيعرض للجمهور الأمريكي لأول مرة مساء يوم الخميس ١٣ سبتمبر ٢٠١٨، وهو لمخرجين إسرائيليين (مور لوشي وزوجها دانييل سيفان)، من إنتاج إسرائيلي كندي، ومدعوما من جهات ومهرجانات أوروبية متعددة، كما هو المعتاد في جميع الإنتاجات الإسرائيلية من هذا النوع. ويدّعي الفلم، أنّه يتضمّن معلومات وأرشيفا لم يعرض من قبل، والحقيقة أنّ هذا الوثائقي الذي تمكنت من مشاهدته لا يحكي قصة اتفاق أوسلو، بقدر ما يحكي قصة "ازدهار وانحدار" حزب العمال الإسرائيلي بين الأعوام ١٩٩٢ – ١٩٩٦ من وجهة نظر الحزب الذي يريد تجميل نفسه وتجميل صورة إسرائيل كـ "واجهة للديمقراطية" المنفتحة على السلام، بالمقارنة بحزب الليكود المعارض للسلام، إلى جانب نسف الرواية الحقيقية "المخفية" عن ذهن معظم الفلسطينيين والعرب لغاية الآن، حول تفاصيل وخلفيات اتفاق أوسلو.
 
ويجدر بي قبل الاستفاضة أن أوضّح أنّ سبب اهتمامي بكشف حقيقة هذا الوثائقي، أنني ركّزت خلال عامي ٢٠١٢ و٢٠١٣ على دراسة قصة "اتفاق أوسلو"، وقرأت معظم ما كتب عنها، سواء ما كتبه الفلسطينيون أو الإسرائيليون أو النرويجيون، وقابلت شهود العيان منهم، وصورت في جميع الأماكن الحقيقية التي جرت فيها المفاوضات السّريّة في النرويج، وحصلت آنذاك على وثائق وأرشيف نادر عرض لأول مرة، لأتمكن من إعداد وإخراج وثائقي "ثمن أوسلو" (ومدته ٩٠ دقيقة)، والذي بث في الذكرى العشرين لأوسلو (سبتمبر/أيلول ٢٠١٣) ليكشف "القصة" غير المعروفة لأوسلو، منذ بدايتها في السبعينات وصولا إلى عام ١٩٩٣، والعمل متاح للمهتمين عبر شبكة الجزيرة، بلغات ثلاث: العربية والإنجليزية والإسبانية في روابط آخر هذا المقال.
 
وبالعودة إلى الوثائقي الإسرائيلي (مذكرات أوسلو)، فإنه يدّعي:

أولا: أن مفاوضات "أوسلو" السرية (٩ أشهر من عام ١٩٩٣) لم تكن "مدعومة رسميا من أي جهة". وهذا افتراء، فالمفاوضات وإن أريد لها أن تبدو "غير رسمية"، لكنها مولت بالكامل من قبل وزارة الخارجية النرويجية، وأشرف عليها وزير الخارجية النرويجي، ثولفارد ستولتبرغ (توفي مؤخرا في يوليو ٢٠١٨) مع فريقه الذي اختاره بنفسه: زوجة أخيه ماريان هايبرغ، ونائبه في الوزارة يان إيجلند، وسكرتيرته مونة يول، وزوجها الأكاديمي تيري رود لارسون مدير مركز الأبحاث الذي شكل الغطاء السريّ للمفاوضات. (وللعلم فإن ابن ثولفارد ستولتبرغ هو يانس ستولتبنرغ الذي كان رئيس وزراء النرويج من ٢٠٠٥ – ٢٠١٣ وهو الآن الأمين العام لحلف الناتو)، وعندما تغير وزير الخارجية ستولتبنرغ أثناء المفاوضات، حل محله عديله الذي كان وزير الدفاع، يوهان يورغان هولست مع نفس الفريق. كما تمّ اختيار المؤرخين الإسرائيليين المفاوضين، يئير هرشفيلد ورون بونداك من قبل وزير الخارجية الإسرائيلي شمعون بيرس ونائبه يوسي بيلين، وكانا يشرفان على عملهما بشكل دائم. ثمّ تطور مستوى التفاوض مع استلام هولست النرويجي، ليشمل وزارة الخارجية الإسرائيلية رسميا ممثلة بأوري سفير مدير عام وزارة الخارجية، والمحامي يوئيل زنغر الذي كان أحد محامي جيش الدفاع الإسرائيلي، والذي كان على اتصال دائم مع كل من بيرس ورابين. هذا في الوقت الذي كان المفاوضون الفلسطينيون الثلاثة: أحمد قريع وحسن عصفور وماهر الكرد يمثلون رسميا منظمة التحرير (مكتبي ياسر عرفات ومحمود عباس)، وعندما انسحب ماهر الكرد لاحقا، حلّ محله محمد أبو كوش.
 
ثانيا: يتبنى الوثائقي الرواية الإسرائيلية أن قناة "أوسلو" كانت قناة "الصدفة"، بمعنى أنها كانت غير مخطط لها مسبقا، بينما أثبت وثائقي "ثمن أوسلو" أن قناة أوسلو تم التخطيط لها منذ عام ١٩٧٩، عندما طلب ياسر عرفات في بيروت من الدبلوماسي النرويجي هانس لونغفا أن تلعب النرويج دور قناة اتصال سري مباشر بين المنظمة وإسرائيل، ومنذ ذلك الوقت كانت النرويج تحاول سنويا تحقيق ذلك، لكن إسرائيل لم تكن مستعدة. كما أنّ تفاصيل مفاوضات أوسلو اتفق عليها من قبل وزارة الخارجية النرويجية منذ عام ١٩٨٩، في اجتماع نرويجي فلسطيني في تونس، وجرت تجهيزات متعددة لاختيار الأشخاص المفاوضين وإيجاد الغطاء المناسب خلال الأعوام ١٩٩٠ – ١٩٩٢. وأرسل عرفات بسام أبو شريف عام ١٩٩٢ سرّا إلى وزارة الخارجية النرويجية مؤكّدا أنه في حال حصول اتفاق، فستعمل منظمة التحرير على "إنهاء المقاطعة العربية الاقتصادية لإسرائيل"، وهذا أمر موثق في محضر اجتماع وزارة الخارجية النرويجية في أوراقها السرية التي كشفت في وثائقي "ثمن أوسلو". وكذلك جرى لقاء جمع وزير الخارجية النرويجي ستولتنبرغ مع وزير الخارجية الإسرائيلي بيرس، في نيويورك في سبتمبر عام ١٩٩٢، حيث تم الاتفاق فيه أنّ الوقت قد أصبح "ناضجا" لإجراء المفاوضات المباشرة، وهو ما كشفه لأول مرة الدبلوماسي النرويجي هانس لونغفا، والذي منح المقابلة الحصرية الوحيدة حول الموضوع قبيل وفاته لوثائقي "ثمن أوسلو"، والذي قابل عرفات العديد من المرّات منذ السبعينات، وقام بناء على طلب وزير الخارجية النرويجي بمهمة تعريف لارسون لأول مرة على كل من عرفات وأبو علاء في تونس في ديسمبر عام ١٩٩٢.
 
ثالثا: أهمل الفلم وجود النرويجيين "الفاعل" في المفاوضات، فلم يتم مقابلة أيّ نرويجي في الوثائقي الإسرائيلي، ولم يتم الإشارة لوجودهم على طاولة المفاوضات ونقاشاتها (!) رغم الكم الهائل من المذكرات والأبحاث النرويجية التي كشفت الكثير، وأهمها أبحاث المؤرخة النرويجية هيلدا وييج، التي أثبتت نقل النرويجيين (خاصة تيري رود لارسون وزوجته مونة يول، ووزير الخارجية النرويجي يوهان يورغان هولست) لجميع تفاصيل ما يمكن للفلسطينيين أن يتنازلوا فيه بدقة للجانب الإسرائيلي، ما جعل إسرائيل لاحقا تكرم لارسون (الذي تحول من رئيس مركز أبحاث وأكاديمي ليعين مبعوثا أمميا خاصا للمناطق المحتلة) ومونة يول (التي تحولت من سكرتارية وزارة الخارجية إلى سفيرة النرويج لإسرائيل)، ويكرما من قبل مركز بيرس للسلام بهدية نقدية قيمتها ١٠٠ ألف دولار. ومن المهم هنا ذكر أنّ النرويج كانت واحدة من أكثر الدول الأوروبية دعما لإسرائيل، وأنّ معظم نواب برلمانها في الستينات والسبعينات كانوا ضمن مجموعة "أصدقاء إسرائيل"، لوجود علاقات استراتيجية قديمة بين حزب العمال النرويجي وحزب العمل الإسرائيلي، منذ اربعينات القرن الماضي، وحتى قبل عام ١٩٤٨.
 
رابعا: لم يشر الفلم إلى متابعة الأمريكيين لمفاوضات أوسلو، وكيف أن النرويجيين أخبروا الأمريكيين عبر اتصالات سرية من الخط الآمن من السفارة الأمريكية في أوسلو بتفاصيل ما تم التوصل له في قناة أوسلو السرية، خلال فبراير ومارس وأبريل ١٩٩٣، كما سلّم وزير الخارجية النرويجي، ثورفالد ستولتنبرغ، إلى وزير الخارجية الأمريكي، وارن كريستوفر، نسخة مما تم التوصل له مبكرا، ربيع عام ١٩٩٣.
 
خامسا: أهمل الفلم وجود مفاوضات رسمية بالتوازي في واشنطن (١٩٩١ – ١٩٩٣) للوفد الأردني الفلسطيني المشترك مع الإسرائيليين، والذي تلا مؤتمر مدريد، وكيف أن حيدر عبد الشافي كان متمسكا بإزالة الاحتلال والمستوطنات في الضفة الغربية وغزة وشرقي القدس أساسا للحل. 
 
سادسا: يصور الوثائقي أن "الإرهاب الفلسطيني" كان هو المسيطر على الساحة، وأنّ الفلسطينيين هم الإرهابيون الذين يقومون بتفجيرات دائمة يذهب ضحيتها العشرات، بينما يقوم بالعنف الإسرائيلي من هم "أعداء السلام" (مثل مجزرة الخليل عام ١٩٩٤)، أو قتل فردي من الجيش الإسرائيلي لفلسطيني واحد. 
 
سابعا: جاء في نصّ الوثائقي أن اتفاق أوسلو ضمن للفلسطينيين السيطرة (على "معظم" أرض الضفة الغربية خلال عام)!
 
ثامنا: استوقفني في هذا العمل، كصانعة محتوى، المشاهد التمثيلية التي يمثلها أشخاص يشبهون (شكلا وعمرا إلى حد ما المفاوضين)، دون أن يوجد أي إشارة أنها مشاهد تمثيلية وليست أرشيفا! في اختراق مهني واضح للصنعة الوثائقية المعتادة في أخلاقيات المهنة، وهنا بالطبع غاب النرويجيون في تلك المشاهد التمثيلية تماما!  
 
تاسعا: بطبيعة الحال لم يوضح الفلم أن "أوسلو" كان انتصارا إسرائيليا بامتياز، فقد ضمنت إسرائيل من خلال "مسرحية السلام" اختراقا اقتصاديا ودبلوماسيا دوليا وعربيا، ما زالت تحصد نتائجه إلى الآن، كما ضمنت بقاء المستوطنات والمستوطنين. وما صفقة القرن اليوم، إلا استكمال لأوسلو، الذي سمحت بسنوات ذهبية لتطوير وبناء المستوطنات، ورفدها بكل متطلباتها، كما أجّلت إلى غير رجعة التفاوض على القدس أو الحدود أو الأمن أو القضية الأساس وهي اللاجئين.
 
عاشرا: أهمل الفلم حقائق عديدة مؤلمة خاصة بالجانب الفلسطيني، منها على سبيل المثال المكالمة الهاتفية التي استمرت سبع ساعات في أغسطس/آب ١٩٩٣، والتي جرت بين وزير الخارجية النرويجي هولست وفريقه النرويجي إلى جانب بيرس وفريقه الإسرائيلي الذين كانوا مجتمعين في استكهولم في السويد، مع عرفات في تونس وإلى جانبه أبو مازن وأبو علاء وحسن عصفور وياسر عبد ربه، وصديق لبناني مقرب منهم هو محسن إبراهيم، والتي تم التوافق نتيجة لها على كل النقاط التي كانت عالقة لأشهر طويلة في المفاوضات الجدلية، والتي حسمت التوقيع على إعلان المبادئ، والذي تم رسميا في واشنطن في ساحة البيت الأبيض في ١٣ سبتمبر ١٩٩٣، ناهيك عن حقيقة أنّ أحد المفاوضين الفلسطينيين الثلاثة الرئيسين (حسن عصفور) لم يكن يتقن اللغة الإنجليزية، لغة التفاوض، وكان يسأل كل ليلة زملاءه: عن ماذا دار التفاوض؟
 
جدير بالذكر أن هذا ليس أول وثائقي مشوه عن أوسلو، ولن يكون الأخير، فقد أنتجت عدة قنوات أوروبية وعربية، أعمالا محرّفة عن أوسلو، كما تم إنتاج مسرحيات مفبركة عرضت في أهم المسارح في نيويورك ولندن، ولاقت استحسانا غربيا، منها الرواية "المفبركة" النرويجية لتيري لارسون ومونة يول، عن زوجين نرويجيين حاولا صنع السلام بقدراتهم الفردية الاستثنائية، مستغلين انعدام وجود أي وثيقة في وزارة الخارجية النرويجية عن هذه المفاوضات السرية، واختفاءها المريب كما كشفت المؤرخة النرويجية هيلدا وييج، إذ لم يسلّم مركز فافو (ممثلا بتري رود لارسون) كل الوثائق والمحاضر والرسائل لوزارة الخارجية النرويجية التي كلفته بالمهمة، وما زال يحتفظ بها إلى اليوم ك"ممتلكات شخصية".
 
ويؤكد هذا الفلم مدى حاجتنا إلى التصدّي لهذه الروايات، وطردها من العقل الجمعي الفلسطيني والعربي، ونشر الحقائق على أوسع نطاق ممكن، كي نفرض روايتنا بنفس أسلوبهم الوثائقي البصري، فنشر الحقائق هو الضمان لأن ننتصر في المعركة الأهم وفق ظروفنا الموضوعية، أعني بها: معركة الوعي.  
 
ثمن اوسلو 
العربية 

الجزء الاول 
https://youtu.be/fstR_9s2sKI
الجزء الثاني
https://youtu.be/B2emYLb13yg
الانجليزية
الجزء الاول 
https://youtu.be/ism-ctaSbw0
الجزء الثاني
https://youtu.be/TgFWEVQTeHM
الاسبانية 
الجزء الاول 
https://youtu.be/5aRu4jPNEi0
الجزء الثاني 
https://youtu.be/zosEhkgYv54