مقدسيان يتشبثان ببيوتهما.. البيع تذكرة إلى جهنم

المؤتمر الشعبي لفلسطيني الخارج

المؤتمر الشعبي لفلسطيني الخارج

على بعد أمتار من المسجد الأقصى، عند مقتبل شارع عقبة الخالدية قبالة باب القطانين، يربض محل صغير جلس على بابه "أبو العبد" يحادث صديقه "أبو صالح" الجالس داخله.. هما صديقان منذ الطفولة، ترعرعا في حواري البلدة القديمة في القدس المحتلة، وداوما على زيارة مسجدها، ويجلسان كل يوم قرب المحل لحمايته وإثبات وجودهما.
ما يجمعهما اليوم عدا الصداقة، هو رفضهما المستمر لكل ما يقدمه الاحتلال من عروض لشراء عقاراتهم وبيوتهم في القدس المحتلة.
يفتح إدريس النابلسي "أبو صالح" (62 عاما) محله منذ العام 1976، بعد وفاة والده الذي كان يبيع الألبان.. لم يستطع إدريس الاستمرار في تجارة والده، لكنه صمم على فتح المحل يوميا وإن لم يبع شيئا.. يقول إنه يسعى لإثبات وجوده في ذلك الطريق الإستراتيجي.
يوميا تأتي النابلسي عروض من اليهود -يقول إنها بالملايين- مقابل شراء محل مساحته ستة أمتار مربعة فقط! ويروي للجزيرة نت أن أحدهم عرض عليه -إضافة إلى المال- السفر إلى الخارج، فكان الرد "إحنا مثل الحجر اللي محله قنطار إذا تحرك بيصير أوقية"، في كناية عن أن قيمة المقدسي بأرضه وصموده فيها، فإن تخلى عنها ذهبت قيمته.
إدريس النابلسي يواصل فتح محله الصغير إثباتا لوجوده العربي وتحديا لإرهاب الاحتلال (الجزيرة)
نفوس مريضة
يؤكد النابلسي أن شارع عقبة الخالدية كانت تسكنه أكثر من مئتي عائلة، لكنهم استبدلوا اليوم بيهود، بعد تسريب العقارات.. ويتابع أن "بعض الناس نفوسها مريضة، والوضع المعيشي صعب جدا، ولا توجد أي مساعدات لدعم صمود المقدسيين".
على ذكر المساعدات، شهد النابلسي وصديقه زهير دعنا "أبو العبد" (62 عاما) على تلقي العائلات اليهودية في البلدة القديمة مساعدات شهرية تصل إلى ألفي دولار، وشاهدا مرور سلال المؤن من أمامهم إليها، في حين لا يتلقى المقدسيون أي دعم يذكر، مقابل ضغوطات الاحتلال المالية ترغيبا وترهيبا.
الستيني أبو العبد تعرض لتلك الضغوطات ترهيبا، فهو مُثقل بديون ضريبة "الأرنونا" على بيته ومحله في شارع الواد بالبلدة القديمة. أما والده عبد الرحيم دعنا (87 عاما) فتعرض لها ترغيبا حين عرض عليه الاحتلال 15 مليون دولار لبيع بيته، لكنه قابل ذلك بالرفض المُطلق، وجمع أبناءه وأوصاهم بعدم بيع بيوتهم، وجعل بيت العائلة وعقاراته وقفا لذريته حماية له من التسريب.
الاحتلال يعرض مبالغ خيالية لشراء بيوت المقدسيين لتمكين سيطرته على المواقع الحيوية في البلدة القديمة القريبة من الأقصى (الجزيرة نت)
تذكرة إلى جهنم!
لدى زهير دعنا وعائلته بيت كبير في شارع الواد، مكون من 14 غرفة يسكنها سبعون نفرا من العائلة، إضافة إلى محلٍ للجلود بجوار آخر للملابس. وتستمر عروض الشراء في التهاطل على دعنا، وكان آخرها بيتا في قيسارية على شاطئ المتوسط وأموالا تكفيه مدى الحياة.
يقول أبو العبد للجزيرة نت إن مسكنه الأول في شارع الواد بالبلدة القديمة من القدس، والآخر والأخير في قبره بمقبرة باب الأسباط، ولن يتزحزح من بيته إلا إلى قبره، ويؤكد أن من يبيع بيته لليهود كمن يشتري تذكرة إلى جهنم!
لدى زهير دعنا محل للجلود وبيت تلقى مقابله عروضا خيالية لبيعه لكنه رفضها وجعل البيت وقفا لذريته (الجزيرة)
ويستذكر زهير دعنا العواقب الوخيمة للمقدسيين الذين فرطوا في بيوتهم وسربوها إلى الاحتلال، فيروي أن أحدهم أصيب بالفالج فور بيعه، وآخر مات ولده، وغيرهم مُحقت بركة أمواله التي تلقاها، حتى اشتهى "السَقَط" من الماشية (طحالات ومعاليق الخروف) ولم يستطع شراءها من شدة فقره.
عرض إماراتي
يؤكد دعنا أن رجلا من الإمارات وآخر من كندا زاراه في بيته وعرضا عليه شراء منزله، موضحا أنهما حضرا عن طريق الغرفة التجارية في القدس بحجة تقديم المساعدة، لكنه رفض المساعدة والبيع وطردهما، خوفا من حالات مماثلة سُربت إلى الاحتلال بعد شرائها بأيادٍ عربية إماراتية.
مع أذان العصر المرفوع من مآذن المسجد الأقصى القريبة، تجهّز الصديقان دعنا والنابلسي للصلاة، وجدّدا العهد بالحفاظ على القدس وبيوتها، مستذكريْن قصة جارهما المرحوم الحاج موسى الخالص الذي رفض بيع عقاره في البلدة القديمة رغم "الشيك المفتوح" الذي عرض عليه، لكنه وافق على البيع بشرط أن يحصل على ورقة تحوي توقيعات من جميع المسلمين في العالم توافق على تلك الصفقة!
المصدر : الجزيرة

تعليق عبر الموقع