ماذا تعرف عن خزانة مسجد قبة الصخرة؟

المؤتمر الشعبي لفلسطيني الخارج
شارك عبر

| فلسطينيو الخارج |

تميز المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة بخزائن كتب (مكتبات) ضاربة بجذورها في عمق التاريخ الإسلامي، دالةً على أصالتها وتاريخها العريق، وذلك انطلاقا من الدور الكبير للمسجد في الإسلام باعتباره مكانا للعبادة والتعلم ومركز إشعاع ثقافيا وفكريا.
ففي مكتبة المسجد الأقصى نجد نبذة مختصرة عن تاريخها تبيّن أن هذه المكتبة قد مرّت عبر تاريخها الحافل بمراحل، فكانت تُسمّى "خزانة مسجد قبة الصخرة المشرفة"، ثم "دار كتب المسجد الأقصى المبارك"، وأخيرًا "مكتبة المسجد الأقصى المبارك".
حفظ المخطوطات
ومن المؤكد أنه كان للمسجد الأقصى المبارك خزانة تحفظ فيها المخطوطات منذ البناء الأموي، لا تقل مكانة عن الخزانة التي توجد بالمسجد الأموي في دمشق، والتي لا تزال تحتفظ ببعض نفائس المخطوطات منذ القرون الأولى الهجرية.
ومن المرجّح أن خزانة المسجد الأقصى قد تطورت وازدادت زمن العباسيين المعروف عنهم إنشاء المكتبات، مع ما تميزوا به من استيراد صناعة ورق الكاغد وتطويرها، فازدهرت صناعة الكتب زمانهم ازدهارا مذهلا.
كان محسنون من أهل المدينة وزائروها ومحبوها يرفدونها بالكتب عبر التاريخ من خلال وقفيات كان يتم تسجيلها لدى قاضي القدس، وكان العلماء والطلبة يُطالعون الكتب داخل المسجد الأقصى.
كما كان أمين المكتبة لا يسمح بإعارتها خارج المسجد إلا لبعض كبار العلماء والقضاة، وغالبا مقابل رهن، وقد استمرت تلك الخزانة/المكتبة في تقديم خدماتها للعلماء والطلبة إلى أن تم نقل ما تبقّى من مصاحفها وكتبها إلى المتحف الإسلامي، ودار كتب المسجد الأقصى خلال عهد المجلس الإسلامي الأعلى في عشرينيات القرن العشرين.
أمين المكتبة
كانت خزانة قبة الصخرة المشرفة مكتظّة بالمصاحف والكتب الهامة والنفيسة، ونظرا لهذا الاكتظاظ والحاجة إلى التنظيم والإعارة، فقد أوكل إلى قاضي القدس تعيين أمين على المكتبة بهدف الحفاظ على سلامة كتبها والإشراف على ترميمها وكل ما تحتاجه.
وتشير المصادر التاريخية إلى أسماء أمناء هذه المكتبة العامرة، ففي سنة 1005هـ/1597م تسلم الملا إسماعيل بن درويش علي الشهير بالسقا الوكيل من أمين خزينة الكتب الشريفة بالصخرة المنيفة الملا باكير بن عبد الصمد، الكتب التي استعارها شيخ الإسلام شجاع الدين أفندي، وهي: شرح الكافية للرضي، والجزء الرابع من تفسير ابن عطية، والجزء الرابع عشر من تفسير الرازي، وجزء من شرح الهداية، وجزء في الفقه من كتاب البيوع.
ويكشف هذا الأمر أن عملية إعارة كتب خزانة قبة الصخرة كانت تتم وفق إجراءات مشددة لضمان عودتها إلى مقرها، وغالبا ما كانت الإعارة والإعادة تجريان في مجلس قاضي المدينة، كما تشير إلى ذلك العديد من سجلات المحاكم الشرعية في القدس في القرن السابع عشر الميلادي.
وزيادة في التحوط والحفاظ على هذه الملكية العامة التي كانت أحد الروافد العلمية الدائمة لمدينة القدس الشريف ولعلمائها وطلبتها على السواء، كان قاضي المدينة يأمر بجرد موجودات المكتبة من حين لآخر، كما في العام 992هـ/1584م، حيث وجد في داخل هذه الخزانة 99 مجلدا، وفي سنة 1010هـ/1601م وجد بها 89 مجلدًا، إضافة إلى 19 مجلدا كانت مسجلة في بند الاستعارة، وفي القرن التالي سنة 1734م كان عدد كتبها قد بلغ 110 كتاب.
تنوعٌ في العناوين
وقد أمدنا مؤرخ بيت المقدس الأستاذ بشير بركات في كتابه "تاريخ المكتبات العربية في بيت المقدس" بأسماء العديد من الكتب التي وُجدت في مكتبة/خزانة مسجد قبة الصخرة، متتبعا في ذلك سجلات المحكمة الشرعية في القدس في عصرها العثماني، وفهارس المخطوطات المقدسية الأقدم عهدا من سجلات المحكمة.
ويلاحظ فيما ذكره بركات تنوعا فريدا في عناوين وأسماء كتب هذه الخزانة، فعلى رأسها "صحيح البخاري"، ونسخته تعود إلى عام 748هـ/1348م، ونسخ بالمدرسة الحنفية الجوانية بدمشق في ستين جزءًا، ووقفه صاحبه على خزانة مسجد قبة الصخرة.
وظل هذا الكتاب هو النسخة الأم والأساسية للواردين على خزانة مسجد قبة الصخرة لمدة أربعة قرون متوالية، حتى زار بيت المقدس قائد القوات الإنكشارية العثمانية في مصر عثمان آغا سنة 1142هـ/1729م، فأمر بنسخ نُسخ جديدة عوضا عن النسخة القديمة من صحيح البخاري والتي كانت بعض أجزائها قد فُقدت أو أصابها التلف بسبب عامل الزمن وغيره.
خدمة للقراء
ومن أقدم نسخ هذه الخزانة مؤلف العلامة أبو حامد الغزالي الأشهر "إحياء علوم الدين"، الذي يعود نسخه إلى سنة 754هـ/1325م، حيث وقفه التاجر الخواجة شمس الدين محمد بن الحاج زين الدين أحمد الفرا الأخلاطي.
وكذلك "تفسير البيضاوي" الذي وقفه مصطفى باشا ميرلوا محافظ طرابلس الشام سنة 978هـ/1571م، واشترط أن يوضع هذا التفسير المهم في مسجد قبة الصخرة المشرفة، وأن يشرحه الشيخ موسى الفتياني في دروس التفسير بحسب وقفيته.
ويلاحظ بشأن هذه الكتب الموقوفة على الخزانة خدمة للقراء وطلبة العلم والعلماء، تنوعها في فروع العلم المختلفة من الحديث والفقه والأخلاق والعقائد والتفسير وغيرها.
كما أن واقفيها كانوا على الأغلب من كبار موظفي ورجالات الدولة خصوصا في العصر العثماني، وهم في غالبهم لم يتولوا منصبا في القدس الشريف، فمنهم من تولى مناصب في طرابلس ومصر ودمشق وغيرها، وكان وقفهم في خزانة مسجد قبة الصخرة الشريف رغبة في الأجر، وحرصا منهم على إفادة طلبة العلم والعلماء على السواء.
المصدر : الجزيرة

تابعنا عبر



تعليق عبر الموقع