عندما يدفع المؤرخ بيني موريس إلى استئناف "النكبة"

المؤتمر الشعبي لفلسطيني الخارج
شارك عبر

| فلسطينيو الخارج |

إن قرّرت قيادة الاحتلال الإسرائيلي خوض "نكبة" جديدة ضد الشعب الفلسطيني، فإنها ستحتاج إلى أيديولوجيا تحفِّزها وإلى دعاية تبرِّرها. سترتكز ذرائع حملة التطهير العرقي الجديدة في فلسطين على فكرة "استحالة" تطبيق مشروع "الدولتين"، الذي تبنّته "الرباعية" الدولية ثم تخلّت عنه إدارة ترمب عملياً.
يترتّب على ذلك القول إنّ فلسطين لا تحتمل "حق تقرير المصير لشعبين"، وبالتالي ينبغي الدفع بأحدهما إلى الخارج إن لم يرضخ للأمر الواقع؛ أي الشعب الفلسطيني الذي لا مكان له في "الدولة القومية اليهودية" التي ستشمل الضفة الغربية أو معظمها.
لا تنتهي المرتكزات الذرائعية عند هذا الحدّ؛ فالنكبة الجديدة ضرورة وجودية كي لا ينتهي الإسرائيليون إلى "المنافي" ويعيشوا مطاردات جديدة، فهم لا يملكون "ترف" الالتزام بالقانون الدولي والمواثيق الإنسانية والأخلاقية وقرارات الأمم المتحدة في "هذه المنطقة الخطرة"؛ كما سيُقال.
أما "مكافحة الإرهاب" فستكون غطاء مثالياً لاجتياح المدن والقرى الفلسطينية حتى تلك المحتلة سنة 1948، وهو ما تم تجريبه في الضفة الغربية على مرأى من العالم خلال العقد الماضي.
وتقوم هذه الذرائع المحبوكة بعناية على فكرة الحاجة الوجودية إلى خيار "حاسم ونهائي" سيكون "أقل تكلفة من أي حرب"، وسينتهي الأمر إلى لوم الضحية (الشعب الفلسطيني) التي سيتم اعتبارها مسؤولةً عن مأساتها.
تختمر هذه الذرائع ضمن نخب الاحتلال السياسية والأكاديمية، وحتى لدى المؤرخ الأشهر بيني موريس الذي يعلم تحديداً ماذا تعني "النكبة" لكنه يوحي بالحاجة إلى استئنافها، وقد تكون النكبة المقبلة أكثر ذكاء وحسماً من تلك التي وقعت في فلسطين منتصف القرن الماضي؛ كما يُفهَم من كلامه.
اشتهر موريس -وهو من أبرز المؤرخين الإسرائيليين- بمراجعة ملف "التهجير القسري" الذي جرى في السنوات 1947–1949 وإن تحاشى استعمال مصطلح التطهير العرقي، أي "النكبة" التي أفرغت مدناً فلسطينية عدّة ومئات القرى من سكانها وحوّلت معظم الشعب إلى لاجئين. وساهمت أعماله –مع آخرين ممّن يسمّون "المؤرخين الجدد"- في انقشاع مزاعم دعائية إسرائيلية تم ترويجها عن قضية اللاجئين الفلسطينيين.
لكنّ موريس الذي اشتغل بالمراجعة التاريخية لم يُعبِّر عن مواقف مبدئية رافضة لما جرى إلاّ من وجه محدّد أظهره لاحقاً، وهو أنّ التهجير لم يكتمل؛ خلافاً لزملاء أظهروا التزاماً مبدئياً وأخلاقياً، مثل إيلان بابِّه صاحب العمل الشهير "التطهير العرقي في فلسطين" (2006).
يظهر بيني موريس على الملأ في القرن الواحد والعشرين بتوجّهات يمينية سافرة، ويتحدّث اليوم وكأنه المرشد الأيديولوجي لحكومة اليمين المتطرف بقيادة نتنياهو.
صار موريس يستعمل خبرته كمؤرخ مرموق في تجميل سلوك التهجير القسري عبر التهوين منه من جانب، واعتباره حاجة وجودية لبقاء الدولة من جانب آخر؛ فهو خيار ليس سيئاً كما يحسب العالم ودعاة القيم والحقوق والمبادئ والمواثيق، والبديل الأوحد عنه هو الإبادة؛ حسب مَنطِقِه.
إنه يُعرِب عن قلق وجودي متزايد على "مصير إسرائيل"، لكنّ القلق يبدو هنا مجرّد ذريعة مُتذاكية لتسويغ "الحسم" مع الشعب الفلسطيني دون اعتبار أخلاقي في هذا الشأن، فعندما تكون المسألة "نكون أو لا نكون" يصير دوْس القيم والتنكّر للالتزامات خياراً معقولاً لدى هذه الأصوات.
إنه التأويل المنطقي لتعبيرات تثير فزع الإسرائيليين أطلقها المؤرخ السبعيني في مقابلة أجرتها معه "هآرتس" يوم 11 يناير/كانون الثاني 2019. تشاءَم بيني موريس للغاية في هذه المقابلة التي جاء في عنوانها الصحفي أنّ هذا المكان سيغرق، وأنّ اليهود سيبقون أقلية مُطاردة، وقد يفرّون إلى أميركا! وقال: "سينحطّ هذا المكان كدولة شرق أوسطية بأغلبية عربية. وسيبقى اليهود أقلية صغيرة في بحر عربي كبير من الفلسطينيين؛ أقلية تتعرض للاضطهاد أو للذبح".
تبدو خلاصات هذا المؤرخ مثالية كي تستخدمها نخبة الحكم المتطرفة في الحضّ على اقتراف حملة "حسم" نهائية ضد الشعب الفلسطيني؛ وهذا تحت عنوان من قبيل: إن لم نفعلها هلكنا.
رسم بيني موريس في المقابلة صورة متوحشة للفلسطينيين دون أن يجرؤ على وصفهم بالشعب أساساً، وهذا ملائم لتبرير الفتك بهم مع لومهم على مصيرهم.
إنّ موريس ليس مؤرخاً وحسب؛ فهو منظِّر بارع للتهجير القسري والتطهير العرقي أيضاً، وهو ما عبّر عنه بوضوح في مقابلة أجراها معه آري شافيط في "هآرتس" سنة 2004 عندما قال "لم يكن للدولة اليهودية أن تقوم بدون اقتلاع سبعمئة ألف فلسطيني. لهذا كان ضرورياً اقتلاعهم".
الانطباع الذي يتشكّل من المواقف المتلاحقة التي أبداها موريس عبر سنوات مضت، هو أنّ عدم إكمال مهمة التطهير العرقي بحق الشعب الفلسطيني أو "النكبة" كان خللاً فادحاً.
إنه يُدرِك -على الأرجح- بحسِّ المؤرخ أنّ بقاء شعوب أصلية في بلادها دون إبادتها بالكامل أو تهجيرها جميعاً أدّى إلى إنهاء تجارب احتلال استعماري عرفها العالم من قبلُ، لأنّ محاولة التحكّم المُطلَق في شعب آخر وقهره وإخضاعه لسلطة احتلال عسكري إلى الأبد لم تكن خياراً عقلانياً فيما مضى، فكيف يمكن الإبقاء عليه في الألفية الثالثة؟
ويعبِّر موريس عن هذا المعنى بمؤشِّرات ديموغرافية تلحظ تنامي تعداد الفلسطينيين في عموم فلسطين التاريخية بصفة تتجاوز تعداد الإسرائيليين اليهود، رغم كل عمليات الاستجلاب والاستيطان الدؤوبة المموَّلة بسخاء.
ومشكلة موريس الديموغرافية هنا لا تنحصر في الضفة والقطاع وحدهما، فهو يبدو حانقاً بصفة زائدة على فلسطينيي 48 الذين تم فرض الجنسية الإسرائيلية عليهم بعد النكبة، وهي مشاعر يشاطره إياها علناً وزراء في حكومة نتنياهو. لا يكفّ موريس عن استعمال تعبيرات ازدراء تكفي لوصمه بالعنصرية، وهو ينظر إلى عموم الشعب الفلسطيني بموقف استعلائي لا يحتمل منطق الحقوق والعدالة.
رغم جلوسه بين صفوف الكتب المتزاحمة؛ يتخلّى موريس -في إطلالاته الإعلامية- عن صورة المؤرخ العلمي الرصين التي رسمها لذاته طويلاً، فهو يظهر في خندق أيديولوجي يستعمل المنصب الأكاديمي والتعبيرات العلمية لصالح مشروع احتلال استثنائي في هذا العالم. وبدا في مقابلة "هآرتس" (2019) متحمِّساً للغاية لبنيامين نتنياهو قبل شهرين من الانتخابات الإسرائيلية.
ما لا يقوله موريس هو أنّ حكومة نتنياهو -التي تضم مستوطنين ووجوهاً معروفة بنزعتها الفاشية المُعلَنة- وضعت تهجير الفلسطينيين قسرياً من بلدات معيّنة على برنامجها بالفعل، وهو ما يتعلّق على الأقل بالمنطقة "ج" في الضفة ذات الأهمية الإستراتيجية، وليست قرية الخان الأحمر سوى مثال على ذلك، كما يتصرّف الاحتلال على نحو مُشابه مع نحو 45 قرية فلسطينية لا يعترف بها في النقب.
لكنّ المعضلة هي أنّ تطبيق التهجير القسري المصغّر في هذه البقعة الإستراتيجية ليس نزهة، فالفلسطينيون في الخان الأحمر ما زالوا صامدين رغم قسوة الظروف المعيشية المسلّطة عليهم، وأطلقوا نضالاً مدنياً أسمع العالم الذي أخذ يتضامن معهم، وهم يواصلون التشبّث بالمكان الذي تريد سلطات الاحتلال تفريغه لأغراض التوسّع الاستيطاني.
بصفة أعمّ؛ تواصل حكومات الاحتلال بدأب سياستها الدافعة إلى التهجير القسري البطيء والهادئ، التي تقوم على التوسّع الاستيطاني والتضييق على فرص الفلسطينيين في العيش ومصادرة أراضيهم والسيطرة على مواردهم المائية والاقتصادية والإنتاجية، وتكثيف الظروف الطاردة مثل فرض قيود على البناء السكني والتوسع العمراني.
هذا علاوة على افتعال المتاعب لهم بحملات اعتقال يومية، وبعدد هائل من الحواجز التي تفصل المدن والقرى بعضها عن بعض، زيادة على الجدار المشيّد على أراضي الضفة الغربية الذي واصل الاحتلال تشييده رغم اعتراضات العالم على بنائه؛ بما في ذلك الجمعية العامة للأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية.
تراقب أوساط قيادية إسرائيلية مفعول هذه الظروف الضاغطة في الضفة الغربية، ومن هؤلاء مثلاً عضو "الكنيست" بتسلئيل سموتريتش الذي يتابع باهتمام بالغ كيف يضطر واقع الاحتلال عشرين ألف فلسطيني في الضفة إلى مغادرتها سنوياً حسب تقديراته، لكنّه يراهن على توجّهات لحسم الموقف الديموغرافي متحدثاً عن أن 30% من سكان الضفة يرغبون بالهجرة.
وهو يعني أنهم قابلون للتهجير بمزيد من المساعي الطاردة. تبنّى سموتريتش -المعروف بتصريحاته العنصرية- وزملاؤه في حزب "البيت اليهودي" (المشارك في الائتلاف الحكومي في سبتمبر/أيلول 2017) ما سمّوها خطة "الحسم" التي ستكون "أقل تكلفة" من الحرب.
يقوم "برنامج الحسم الإسرائيلي" الذي اعتمده الحزب المذكور على خيار "تحديد المصير الصارم والأبدي" في دولة ينبغي أن تكون يهودية فقط، عبر مضاعفة نشطة للتفريغ السكاني الفلسطيني من كل أرض فلسطين وليس الضفة وحدها، وتنشيط الاستيطان من جانب آخر، مع إحباط أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية، علاوة على تعامل "حاسم" مع كل من يرفض الاحتلال.
كان منطقياً أن يصف بعضهم برنامج التطهير العرقي والفصل العنصري (الأبارتايد) هذا بالخطة الفاشية، لكنّ الدعم الأيديولوجي لتوجّهات كهذه يأتي من مواقع "أكاديمية" أيضاً، كما توحي بذلك تصريحات موريس الذي يُطلِق آراء تكفي لقرع نواقيس الخطر عبر العالم.
يهوِّن موريس مثلاً من مجازر جماعية اقترفتها القوات الصهيونية خلال أحداث النكبة، مثل مجزرة دير ياسين قرب القدس التي تكتسب رمزية خاصة في وعي الشعب الفلسطيني، كما يرى التهجير القسري خياراً أخفّ وطـأة من الإبادة.
لا يأتي تنظير موريس بمعزل عن تطوّرات مهمة؛ فهو يتحدّث في ظل حكم رئيس أميركي "اختاره الربّ لهذا المنصب"، بتعبير الناطقة باسم البيت الأبيض سارة ساندرز في حديثها لشبكة "سي بي إن" في أواخر يناير/ كانون الثاني 2019؛ وهو تعبير يتوافق مع نظرة إلى دونالد ترامب بكونه "مبعوثا من السماء لأجل إسرائيل".
وقد بلغت الحماسة ببعض الأوساط المصابة بالهوس أن أصدرت عملة تذكارية يظهر عليها قورش الفارسي وترامب الأميركي بصفة توحي بالعظمة التاريخية. وإن نُسِب إلى قورش تخليص اليهود من السبي البابلي، فإنّ الذي يريده هؤلاء من سيد البيت الأبيض تحديداً هو أن يحسم نهاية التاريخ بالضربة القاضية التي ستطوي القضية الفلسطينية إلى الأبد، وإن اقتضى ذلك افتعال نكبة جديدة.
وبعيداً عن الخيالات التاريخية الخصبة؛ يبدو واضحاً أنّ ترامب قطع في ذلك أشواطاً بالفعل، فهو الذي حسم مصير القدس بدون مفاوضات ونقل سفارته إليها دون أسلافه، ومقرّبوه يشاركون في نشاطات استيطانية علنية، وإدارته ماضية في الضغط على اللاجئين الفلسطينيين ومحاولة تجويعهم وإفقارهم، ودفعهم إلى الهجرة بالتضييق على موارد "الأونروا" لإنهاء هذه "العقدة"، وفي عهده سنّت "الكنيست" قانون الدولة "القومية اليهودية".
ينسجم بيني موريس مع هذه التوجّهات بنبرته المتحاملة حتى على فلسطينيي 48، وهم الذين لا مكان لهم في هوية هذه الدولة أو ثقافتها حسب القانون العنصري ذاته.
يقوم المؤرخ بوظيفته الأيديولوجية في دولة ترفض رسم حدودها حتى الآن، ويتحمّس بعض صانعي القرار فيها لخوض حملات تطهير عرقي حاسمة. ومن يدري؛ فقد يقول أحدهم في واشنطن العاصمة تعليقاً على النكبة التي يحلم بها متعصبو الاحتلال: إنّ الربّ أراد ذلك!
المصدر: المركز الفلسطيني للإعلام

تابعنا عبر



تعليق عبر الموقع