الفلسطيني العراقي النبيل

المؤتمر الشعبي لفلسطيني الخارج

المؤتمر الشعبي لفلسطيني الخارج

.../ الماءُ لم يحلُم بنا/ البئرُ غادرها الرعاة/ الدارُ أنهكها الخروج/ البحرُ ملتصقٌ بنا/ كل المضايق جهمةٌ/ كل المنافي أشرعت أبوابها/ ... هذا مقطعٌ من قصيدةٍ طويلة، أعطاها صاحبُها، الشاعر خالد علي مصطفى، اسم "المعلقة الفلسطينية"، وأصدرها في بغداد في 1989. ومن مقاطعها أيضا: كل الضحايا فتّشت أعناقَها/ لم تلقَ أية حنجرةٍ/ ضاع النشيدُ بنا/ وضاعت في المنافي القبّرة. .. قصيدةٌ عالية القيمة الفنية، بموجاتها الثلاث، عن المنفى وفلسطين والعودة، وإذا كان شاعرُها قد اختار لها اسم المعلقة، فذلك ليس ليُحيل إلى التسمية التي ارتبطت بقصائد سبع (أو عشر) كبرى في الشعر الجاهلي، وإنما ليُحيل إلى أن قضية فلسطين معلّقة. لم تشتهر معلقة خالد علي مصطفى، ولم تُقرأ كثيرا، ولم يعتنِ بها النقد العربي الكسول، ولا أضاءت عليها الصحافة الثقافية بما تستحق. ولا يعود هذا كله إلى عوارٍ فيها، وإنما لأن كاتبها، وهو الشاعر منذ أواسط الستينيات، "قليل المبالاة بما يكتب"، بتعبير صديقه الشاعر سامي مهدي، والذي أضاء جيدا، في غير مناسبة، على تجربة خالد علي مصطفى الشعرية، وثقافته الأدبية، وقيمته ناقدا ودارسا، وعلى جدّة رؤاه، وعلى علمه وعمق معرفته.
خالد علي مصطفى.. في العراق منذ 1948
توفي خالد علي مصطفى، يوم الثلاثاء الماضي، في بغداد، فطرأت مناسبةٌ لاستدعاء معلقته، الرائقة عن حق، بل ومناسبةٌ للتذكير به مثقفا نبيلا، وهو الذي كان مفرطا في زُهده في الحديث عن نفسه، وفي ازوراره عن الأضواء. ولد في 1939 في عين غزال قرب حيفا، وهاجرت عائلته إلى العراق في 1948، وتعلّم في مدارس البصرة، وظلّ في العراق إلى أن غادر الدنيا. وعلى الرغم من صعوباتٍ وتعاساتٍ ومتاعب وضغوط بلا عدد، بعد غزو الكويت، واشتداد هذه كلها أمنيا ومعيشيا بعد احتلال العراق في 2003، إلا أن خالد علي مصطفى بقي هناك، أستاذا للأدب العربي في الجامعة المستنصرية التي التحق بالتدريس فيها في 1966، قبل أن ينال الدكتوراة لاحقا. ويتحدّث طلابُه العديدون عن سماحة روحه، وسعة علمه، وجمال تدريسه، وأناقة لغته. وليس له سوى ست مجموعات شعرية (إحداها قصيدة المعلقة..)، أولاها في 1969 وآخرها في 1993، وله قصائد متفرّقة يمكن ضمّها في ديوانيْن، كما يذكر سامي مهدي. وكان رابع شعراء البيان الشعري الذي أعلن في 1969، واعتبر من علامات الحداثة النقدية في العراق (فاضل العزاوي وسامي مهدي وفوزي كريم)، وقد أصدر كتابا، في 2015، عن تلك اللحظة.
لمّا احتل العراق، ثم دخل فيما نعرف من أوضاعٍ أمنية مقلقة، أصاب الفلسطينيين في أثنائها كثيرٌ من الجوْر والعسف، كان يطرأ إلى بالي سؤالٌ عن خالد علي مصطفى، وأموره وأحواله، سيما وأن أخباره شحيحةٌ في الظروف الطبيعية. لم تجمعني بشخصه صداقة، أو معرفةٌ عميقة، وإنما معرفةٌ عابرة وجلسة أو اثنتان في بغداد، غير أن اسمَه كان يلحّ علي كثيرا برغبة الاطمئنان عليه، حتى زار الشارقة (إبّان إقامتي فيها)، قبل عشر سنوات ربما، فزرناه في الفندق، شاكر نوري وأنا، وكانت ساعاتٍ ثلاثا من الغبطة، فرِحتُ بها بالشاعر الكبير حقا، والمعلّم، والمثقف النبيل. طمأننا على أحواله وأحوال أسرته، وعلى عمله. وأخبرنا أن جواز السفر العراقي الذي كان قد حازه (لتسهيل أسفاره فقط) ساعده في التغلّب على مشقّات كثيرة. لم يكن الراحل في حاجةٍ إلى أن يعرّفنا بنظافة سيرته، منذ ابتعد عن مدائح صدام حسين، مع احترامه النظام في البلد المُستضاف فيه، مرورا برفضِه الاحتلال وحكم العمائم من أي ضفةٍ دينية أو سياسية.. استدعيتُ إلى خواطري تلك الجلسة، وأنا أحدّق في خبر وفاة أستاذنا، وأنا أراجع قصائد له، وأقلّب ما كتبه عارفون أكثر مني بتجربته شاعرا وناقدا وأستاذا جامعيا، وتذكّرتُ أنه أخبرني أن أطروحته في الدكتوراة عن الشعر الجاهلي، فيما كل مشاغله النقدية في الشعر الحديث. 
يتأكّد لك، وأنت في حضرة شعر خالد علي مصطفى، ومنجزه وسيرته، أنه آخى عراقيّته وفلسطينيته بوعيٍ حاذق، وأنه عندما لم يدبّر لنفسه مقاما وعملا خارج العراق، فكأنه كان يفعل فعلا مقاوما، لم يُمكنه أن يقوم به طفلا إبّان نكبة فلسطين الأولى. وأنه في وقتٍ يُحسَب من أهم أصوات الحداثة الشعرية والنقدية في العراق (وإنْ بغبنٍ وتجاهلٍ أحيانا)، فإنه كان صوتا ذا عافيةٍ فنيةٍ رفيعةٍ في المتن الشعري الفلسطيني، في ديوانه "البصرة – حيفا"، وغيره. .. رحم الله النبيل خالد علي مصطفى.
المصدر:العربي الجديد

تعليق عبر الموقع