هل يُقتحم المسجد الأقصى يومَ عيد الأضحى؟!

المؤتمر الشعبي لفلسطيني الخارج
شارك عبر

| فلسطينيو الخارج |

من عادتي في كل عيد من العيدين الكريمين: عيد الفطر السعيد وعيد الأضحى المبارك، أن تكون تهنئتي على الشكل التالي: (كل عام أنتم بألف خير، وعسى عيدنا القادم في المسجد الأقصى المبارك). وذلك لأتذكر وأذكِّر غيري في هذا العيد أن هناك مسجداً لنا لا يزال تحت الاحتلال.. أستذكر هذا الأمر بينما أتابع منذ فترةٍ تطوراتٍ غير مسبوقة في هجمة جماعات المعبد المتطرفة على المسجد الأقصى المبارك، حيث فوجئت كما فوجئ غيري من المتابعين أن أفراد هذه الجماعات أبدوا هذا العام اهتماماً غير مسبوق بمتابعة هلال شهر ذي الحجة وإعلان رؤيته لتحديد موعد عيد الأضحى المبارك هذا العام ربما أكثر من بعض المسلمين.

قد يتساءل البعض هنا متفاجئاً: لماذا هذا الاهتمام الصهيوني الغريب بهلال ذي الحجة هذا العام؟ والواقع أن ثبوت هلال ذي الحجة، وإعلان أن يوم الأحد الموافق 11 أغسطس الجاري سيكون أول أيام عيد الأضحى المبارك، سيعني أنه لأول مرة منذ بداية الاحتلال، سيكون يوم عيد الأضحى المبارك هو نفس يوم ما يسمى لدى اليهود "التاسع من آب/ ذكرى خراب المعبد"، وهي أبرز مناسبةٍ دينية يهودية تشتد فيها الهجمات والاعتداءات الصهيونية المتطرفة على المسجد الأقصى المبارك ومحاولات اقتحامه!

هذه الذكرى تزامنت قبل خمسين عاماً بالضبط مع تحضيرات الصهيوني الأسترالي المتطرف دينيس مايكل روهان لإحراق المسجد الأقصى المبارك، وكانت "ذكرى خراب المعبد" حجته الأساسية لإشعال النار داخل الجامع القبلي في المسجد الأقصى يوم 21 أغسطس 1969م. ومنذ سنواتٍ، يشهد المسجد الأقصى المبارك اعتداءات عنيفة ومحاولات لاقتحامه من أكبر عدد ممكن من أفراد هذه الجماعات المتطرفة في هذا اليوم حسب التقويم العبري.

إذ أن مناسبة التاسع من آب بالتقويم العبري تعتبر مناسبة حداد وحزن لدى اليهود لأنها تمثّل عندهم اليوم الذي تم تدمير المعبد المقدس (الذي يعتقدون أنه مكان المسجد الأقصى المبارك)، ولذلك فإن أفراد الجماعات المتطرفة دأبت منذ سنوات على استغلال هذا الحدث لإدخال أكبر عدد من أفرادها إلى المسجد ومحاولة قلب الأوضاع وتغيير الوضع القائم فيه بالقوة. وذلك لأن يوم "ذكرى خراب المعبد" يمثل ذروة مواسم ما يسمى "الحج إلى جبل المعبد" كل سنة.

قبل عامين، وبعد الهزيمة المدوية التي تلقتها دولة الاحتلال في هبة باب الأسباط في يوليو 2017، حاولت هذه الجماعات المتطرفة الرد على انتصار المقدسيين يومها بالتوعد باقتحامٍ ضخم للمسجد الأقصى المبارك في ذكرى خراب المعبد التي حلت في ذلك الوقت بتاريخ الأول من أغسطس، وتوعدت يومها بإدخال خمسة آلاف متطرفٍ إلى المسجد، لكنها فشلت في ذلك اليوم في إدخال أكثر من 1800 متطرف، مما جعلها تخفض السقف بعد ذلك بإعلان نيتها اقتحام المسجد بألفي عنصر من عناصرها في مواسم الاقتحامات الكبرى التالية.

هذا العام يتزامن هذا الموسم (أي ما يسمى ذكرى خراب المعبد) مع تحديين كبيرين لهذه الجماعات: أولهما انتصار المسلمين في القدس في هبة باب الرحمة في فبراير الماضي، وثانيهما تزامن هذا اليوم مع أول أيام عيد الأضحى المبارك. الأمر الذي انتبه له قادة هذه الجماعات، مما حدا بهم إلى العمل مبكراً على حشد الدعم واستغلال جو الانتخابات الذي تعيشه إسرائيل هذه الأيام؛ في محاولة التصعيد ضد المقدسيين وتوجيه ضربةٍ مؤلمةٍ للمقدسيين والمسلمين جميعاً بتأمين اقتحام المسجد الأقصى المبارك في أول أيام عيد الأضحى المبارك، في محاولة لتكرار سيناريو الثامن والعشرين من رمضان الماضي، حين اقتحمت هذه الجماعات المسجد الأقصى المبارك في قلب العشر الأواخر من رمضان لأول مرة في التاريخ الحديث وبحراسة الشرطة الإسرائيلية التي جندت أكثر من 400 عنصر وحاصرت المسجد الأقصى وهاجمت المعتكفين فيه بالغاز.

وهذا الاقتحام لو تم بالشكل المخطط له فإنه سيكون له تبعات في غاية الخطورة، حيث إنه سيفتح شهية هذه الجماعات للتقدم أكثر في مشروعها ناحية الخطوة التالية وهي تثبيت موطئ قدم لها داخل المسجد الأقصى المبارك، ولا نستبعد أن يسيل لعابها على مصلى باب الرحمة والمنطقة الشرقية من المسجد الأقصى مرةً أخرى، خاصة في ظل هذا الصمت العربي والإسلامي الرسمي المريب، والتركيز على بعض الأصوات النشاز التي صارت تخرج من فترةٍ لأخرى لتهاجم قدسية المسجد الأقصى المبارك وتحاولَ تغيير المعادلة في العقل الجمعي العربي والإسلامي خاصةً في بعض دول الخليج العربي.

ويمكن أن نتوقع أن المستوى السياسي الشديد التطرف الذي يسيطر على دولة الاحتلال في هذه الأيام قد يضع كل ثقله لتأمين الاقتحامات الصهيونية للمسجد في أول أيام عيد الأضحى المبارك – كما فعل يوم الثامن والعشرين من رمضان الماضي – بل ربما بشكل أشد، خاصةً وأننا في مرحلة انتخابات حساسة لدولة الاحتلال يمكن أن يؤثر فيها أي صوت قد يكسبه أو يخسره هذا الطرف أو ذاك. كما أنه لا يستبعد أن تلجأ الحكومة الإسرائيلية هذه المرة للمراوغة بتأخير بداية الاقتحامات إلى ما بعد صلاة عيد الأضحى اعتماداً على ظنها أن الناس في القدس سيغادرون المسجد بعد الصلاة مباشرة لأجل الأضاحي والانشغال بالمعايدات وتقاليد العيد.

إن لعيد الأضحى المبارك في مدينة القدس عادات وتقاليد شعبية صارت معروفة بين المقدسيين، لكن الوضع غير الطبيعي الذي يمر به المسجد الأقصى المبارك يحتم على أهلنا في القدس أن يخرجوا خارج العرف والتقليد المتبع في عيد الأضحى هذا العام بالذات، ويغيروا المعادلة في وجه الاحتلال، وذلك بجعل اليوم الأول لعيد الأضحى المبارك لهذا العام يوماً خاصا بالمسجد الأقصى المبارك بكل معنى الكلمة.

فتكون المعايدات منذ الصباح حتى ما بعد الظهر بساعتين على الأقل في ذلك اليوم داخل المسجد الأقصى المبارك فقط، مع إقامة نشاطات للأطفال في المسجد بعد الصلاة حتى ما بعد الظهر. وأما الأضاحي فإنه يجب العمل عليها لاحقاً بعد زوال الخطر الحالِّ على المسجد الأقصى، فلا أحسب أن الانشغال بالأضحية صباح ذلك اليوم سيكون له أجرٌ وقبولٌ عند الله فيما لو حصل مكروه للمسجد الأقصى –سواء بالاقتحام أو الاعتداء عليه من هذه الجماعات– بسبب انشغال المسلمين بالأضاحي والعيد عن حماية مسجدهم.

ويجب أن لا ينسى المستوى الشرعي في المدينة المقدسة أن وقت التضحية في عيد الأضحى يمتد حتى عصر اليوم الثالث من العيد، ولذلك فإني أدعو المفتين والعلماء في القدس إلى حض الناس على تأخير التضحية حتى اليوم الثاني أو عصر اليوم الأول على الأقل لا في الصباح.. وأما صباح وظهيرة اليوم الأول فلتكن يوماً للمسجد الأقصى المبارك، فلعل الرباط في المسجد الأقصى المبارك في ذلك اليوم خير وأحب إلى الله من ألف أضحية، وليكن عيد المقدسيين هذا العام رباطاً في المسجد الأقصى.

 

تابعنا عبر



تعليق عبر الموقع