طيّات الذاكرة

المؤتمر الشعبي لفلسطيني الخارج
شارك عبر

| فلسطينيو الخارج |

يا "ذكرياتُ" تَحَشَّدي فِرقا

تسَعُ الخيالَ وتملأُ الأُفُقا

وتأهَّبي زُمراً تجهزني محضَ الأسى، والذُّعرَ، والقَلقا

هُزِّي الرِّتاجَ عليَّ أُحكِمُه وتقحَّمي البابَ الذي انغلقا

 أبى الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري في هذه الأبيات الشعرية إلا أن يعزف بطريقة دراماتيكية مؤثرة على وتر الذكريات المحفورة في الصدور، والمعشعشة في ثنايا الروح، من خلال نبش الذاكرة المنسية المتخمة بآلاف الصور وأيام خلت عشناها بحلوها ومرها، والتي لا تزال باقية في مخيلتنا وتنبض بداخلنا كالجمرات التي يشعلها ضوء الوعي. 

ولكننا حين تضيق بنا الحياة وتذهب للأشواق والحنين أرواحنا، نعود لنبش الذكريات واسترجاع كتاب ماضينا فاتحين الأبواب مشرعة لسيل من الأسئلة التي تنكأ الجرح وتعري اللحظة متسائلين هل نبكي ماضينا أم نفرح بالذكريات الجميلة التي لازالت تعيش فينا وتدغدغ مشاعرنا ...!!

لذلك تجدنا نبحر بين طيَّات المخيلة و(الألبومات) العائلية لنتنسّم من خلال الصور الفوتوغرافية عبق الماضي الجميل، لنتذكر أعزاء لنا ظلوا في (إطار التخيل والصورة)، لكنهم الآن (خارج إطار الأحياء).. بعد أن غيَّبهم الموت نتيجة الحصار والقصف والغرق والتعذيب.

نقلب صفحات مجلد الصور الشخصية ونتنهد كلما مررنا على ذكريات حفرناها داخل أعماقنا، وصورٌ حفظناها في عيوننا التقطت لنا في زواريب وحارات مخيمنا، فتمر بمخيلتنا ملامح حاراتنا وتلك السهرات الجميلة التي قضيناها برفقة الأحبة والخلان والجيران، فهذه صورة جماعية التقطت على حين غرة أثناء تواجدهم في الحارة وهم يتسامرون ويلعبون الورق، وهذه صورة أخرى للعائلة بمناسبة نجاح ولدهم في الشهادة الثانوية، وأخرى تجمعهم مع أصدقائهم أثناء ذهابهم إلى المسبح، وأخرى وأخرى تعيد لذاكرتنا أجمل اللحظات التي عشناها، ونترحم عليها بعد أن فرقت بيننا الحرب الدائرة وأهوال الحياة وشردتنا عن ديارنا ومنازلنا، وقتلت الكثير ممن نحب، في حين قضى أخرون غرقاً وجوعاً وقصفاً وكمداً وحسرة وحزناً على ما حل بهم.

لقد أدركنا اليوم القيمة الحقيقية للحظات العمر التي كنا نعيشها بعد أن غابت في أعماق أعماق اللاوعي، لذلك بتنا نجد في الصورة ضالتنا، ووسيلة لاستعادة الذكريات والحنين إلى الماضي والترحم على الأموات، والتغلب على أحزاننا، علها تعيد ولو جزءاً يسيراً من ذكريات أبت إلا أن تكون الصور عنواناً لها!!

يمكننا التساؤل أخيراً هل كُتب علينا أن نعيش على خزائن الذكريات المتراكمة في مخيلتنا، وما يختزنه عقلنا الباطن من ذكريات الماضي وارهاصات واقعه المؤلم، ونتجرع حنظل الحياة بشكل مستمر، وأن تطغى على استرجاع ذكرياتنا الغابرة، مسحة التشاؤم، لتظهر في تجاعيد وجهنا ملامح الوجوم، تعبيراً عن حياة مؤلمة، عشناها ببؤس، وعانينا شقاءها بقساوة وألم.

تابعنا عبر



تعليق عبر الموقع